بعد أيام من الترقّب والتهديدات المتبادلة وتحركات الأساطيل والتسريبات التي ملأت شاشات الأخبار، انطلقت الضربة. بدت مفاجئةً في توقيتها، لكنها كانت مهيّأةً لوجستياً واستخباراتياً منذ زمن. الضربة الإسرائيلية، المدعومة بمعلومات دقيقة، استهدفت المرشد الإيراني وعدداً من القادة البارزين، وأدت إلى مقتل معظمهم في موقع واحد.
تطور دراماتيكي قلب الحسابات رأساً على عقب وطرح سؤالين حاسمين: ما مدى تماسك الدولة الإيرانية مؤسسياً؟ وكيف ستتفاعل المنطقة مع هذا الزلزال السياسي والعسكري؟
في لحظة الهجوم، كانت الطائرات تقطع السماء والصواريخ تنهمر والبلاغات تتوالى. غير أن الامتحان الحقيقي بدأ بعد انقضاء الدقائق الأولى. فالقضاء على القيادة يمثل انتصاراً تكتيكياً واضحاً، لكنه في ميزان الاستراتيجية ليس نهاية المعركة، بل بداية مرحلة أشد تعقيداً.
المؤسسة الإيرانية ليست جسداً هشاً يقوم على فرد واحد. بنيتها الأمنية والسياسية متشابكة، وتضم شبكات قيادة بديلة داخل الحرس الثوري ومؤسسات الدولة ومجلس الشورى. التجارب السابقة أثبتت أن تصفية القيادات لا تعني انهيار المنظومة. معيار الصمود في مثل هذه اللحظات هو قوة البنية، لا غياب الرأس.
ما بعد الضربة يفتح 3 مسارات رئيسية:
احتواء سريع: إذا جرى ضبط الردود المتبادلة، فقد يتحول التصعيد إلى جولة تفاوض جديدة تعيد رسم قواعد الاشتباك. في هذا السيناريو تصبح القوة وسيلة ضغط لا أداة تغيير شامل.
تصعيد متدرج: قد تختار طهران رداً محسوباً يحفظ التوازن ويثبت القدرة دون الانجرار إلى حرب واسعة. غير أن الحسابات الدقيقة قد تختل تحت ضغط الداخل والرأي العام.
انزلاق مفتوح: السيناريو الأخطر أن تتسلسل الردود وتتوسع جغرافياً، فتتحول المواجهة إلى صراع متعدد الساحات، ترتفع فيه الكلفة إلى مستويات يصعب التحكم بها.
في الحروب الحديثة، لم تعد المعركة عسكريةً فقط؛ إنها معركة رواية أيضاً. من ينجح في إقناع جمهوره بأنه "دافع عن نفسه" يربح نصف المعركة النفسية. لكن النصف الآخر يُحسم في إدارة ما بعد الضربة: الاقتصاد، التحالفات، تماسك الداخل، والسيطرة على السرد الوطني.
داخل إيران، لن تكون الساعة التالية مجرد لحظة رد عسكري، بل لحظة تعبئة أو ارتباك. قد يتحول الغضب الشعبي إلى طاقة وطنية توحد الصفوف، وقد ينفتح في اتجاه مساءلة داخلية أوسع. الاتجاه الذي ستسلكه الأحداث سيحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
ستشهد إيران أياماً صعبة لا يمكن التقليل من خطورتها. فكما توقعتُ أن الضربة قد تقع خلال هذا الأسبوع، فإن ما يعقبها قد يكون أشد تعقيداً من لحظة الهجوم نفسها. غياب القيادات، وارتباك مراكز القرار، وضغط الشارع، وتداخل الحسابات الإقليمية، كلها عوامل قد تفتح الباب أمام مرحلة من الاضطراب يصعب التنبؤ بمداها أو اتجاهها.
لسنا أمام رد فعل عسكري فحسب، بل أمام اختبار داخلي عميق قد يفرز اصطفافات جديدة وصراعات خفية داخل بنية الدولة. الأيام المقبلة قد تحمل فوضى متعددة الأوجه، سياسيةً وأمنيةً واقتصاديةً، لا يمكن رسم حدودها بدقة، لكن المؤكد أنها ستكون عصيبةً وحاسمةً في تحديد شكل إيران في المرحلة التالية.
لهذا فإن اللحظة التي تلي الصفر هي لحظة اختبار الإرادات، لا اختبار الصواريخ. فيها يتبين إن كانت الضربة حاسمةً أم مجرد شرارة لسلسلة حرائق. قرار إطلاق النار قد يُتخذ في دقائق، أما احتواء نتائجه فقد يحتاج سنوات.
الحروب تبدأ بخطة محكمة، لكنها لا تنتهي إلا حين تتعب الإرادات، لا حين تُطلق الصواريخ.


