: آخر تحديث

ملا مصطفى البارزاني

4
4
3

في مثل هذا اليوم، قبل أكثر من أربعة عقود، ترجل رجل لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان عنواناً لمرحلة كاملة من تاريخ شعبه. رحل ملا مصطفى البارزاني جسداً، لكن صورته بقيت معلّقة في ذاكرة الجبال، وفي وجدان أجيالٍ تعاقبت وهي تردد اسمه بوصفه رمزاً للصمود لا للحنين فقط.

لم يعرف البارزاني الاستقرار بمعناه التقليدي. عاش مطارَداً، منفياً، مقاتلاً، ومفاوضاً حين اقتضت الضرورة. بين ثورات متلاحقة واتفاقيات هشة، كان يدرك أن الطريق إلى الحرية أطول من عمر رجل واحد، وأن المعركة ليست بندقية فقط، بل إرادة سياسية ووعي قومي وتماسك اجتماعي. لذلك لم يكن نضاله مجرد مواجهة عسكرية مع أنظمة متعاقبة في بغداد، بل مشروعاً لبناء هوية سياسية لشعبٍ أراد أن يُسمِع صوته في معادلة إقليمية معقدة.

حين اندلعت ثورة أيلول (سبتمبر) عام 1961، لم تكن مجرد تمرّد مسلح، بل إعلاناً عن رفض التهميش ومحاولةً لفرض معادلة جديدة في العلاقة بين المركز والأطراف. ثم جاءت اتفاقية 11 آذار (مارس) 1970 لتفتح نافذة أمل نادرة، إذ اعترفت للمرة الأولى ببعض الحقوق القومية للكرد ضمن إطار الدولة العراقية. غير أن تلك النافذة سرعان ما أُغلقت تحت ضغط الحسابات الإقليمية والتجاذبات الدولية، لتتحول الآمال إلى خيبة، والوعود إلى أوراق مؤجلة التنفيذ.

لكن القراءة العميقة لتجربة البارزاني لا تختصرها في نتائج مرحلية. فالهزيمة العسكرية عام 1975 بعد اتفاق الجزائر لم تُنهِ الفكرة التي زرعها. لقد أدرك أن الصراع في الشرق الأوسط لا يُحسم في الجبال وحدها، بل في موازين القوى الدولية أيضاً. ومع ذلك، لم يساوم على جوهر القضية، ولم يحوّلها إلى ورقة شخصية في لعبة النفوذ. كان يرى أن الزعامة تكليف تاريخي لا امتيازاً عابراً.

لقد أسس البارزاني، عملياً، لمدرسة سياسية تقوم على ثلاثة أعمدة: وحدة الصف الكردي، واقعية التعامل مع بغداد، والانفتاح على العمقين الإقليمي والدولي دون التفريط بالثوابت. وهذه الثلاثية ما زالت حتى اليوم تشكل الإطار النظري لأي نقاش جاد حول مستقبل العلاقة بين أربيل وبغداد.

في ذكرى رحيله، لا يكون الحديث عن رجلٍ فقط، بل عن معنى القيادة حين تقترن بالتضحية، وعن الثبات حين تتغير التحالفات وتُغلق الأبواب. لقد عاش بلا راحة، متنقلاً بين الجبهات والمنافي، لكنه ترك خلفه إرثاً سياسياً مهّد لمرحلة الحكم الذاتي بعد 1991، ولتجربة إقليم كردستان بوصفها كياناً دستورياً بعد 2005. قد تختلف القراءات حول التفاصيل، لكن الثابت أن جذور هذه التجربة تعود إلى تلك السنوات التي صاغ فيها البارزاني معادلة "الوجود أولاً".

اليوم، وبينما يتغير المشهد السياسي في العراق والمنطقة، تبقى سيرة ملا مصطفى البارزاني حاضرة كسؤالٍ مفتوح: كيف نحفظ جوهر النضال بعيداً عن شخصنته؟ وكيف نحوّل الإرث التاريخي إلى مشروع مؤسساتي مستدام لا يرتبط بالأفراد بل بالقيم؟ إن أخطر ما يواجه أي حركة تحرر هو أن تتحول إلى ذكرى احتفالية بدلاً من أن تبقى مشروعاً متجدداً.

استحضار البارزاني لا ينبغي أن يكون استدعاءً عاطفياً فحسب، بل مراجعةً نقديةً أيضاً. فالقادة الكبار يُكرَّمون حين تُستكمل مشاريعهم بروح العصر، لا حين يُجمَّدون في إطار صورة معلّقة على الجدار. والوفاء الحقيقي لذكراه يكون بتعزيز وحدة القرار، وترسيخ حكم المؤسسات، وصون الشراكة العادلة داخل العراق الاتحادي.

سلامٌ على من جعل من الجبل مدرسةً في الصبر، ومن القضية بوصلةً لا تنحرف. وسلامٌ على ذكرى قائدٍ آمن بأن الشعوب التي تعرف ماذا تريد، قد تتأخر في الوصول، لكنها لا تضيع الطريق.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.