: آخر تحديث

الوعد الحق… حين يصبح السلام هو الجهاد الأكبر

3
2
3

د. عبدالعزيز حسين الصويغ

يقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]

لكن يبقى سؤال أخلاقي عميق طرحته قبل سنوات، أكثر إلحاحًا اليوم:
• ما الفرق بين من يُقتل وهو يدافع عن إنسان بريء،
• ومن يقتل مئات الأبرياء وهو يظن أنه يخدم قضية؟

هذا السؤال لم يعد نظريًا.
لقد عاد اليوم في سياق مختلف، أكثر اتساعًا وخطورة.

ما تفعله إيران في ردّها على الهجوم الأمريكي/الإسرائيلي مؤخرًا هو النقيض تمامًا لهذا المفهوم. عندما يتم الرد على اعتداء (كالهجمة الأمريكية-الإسرائيلية) باستهداف دول مجاورة لم تشارك في العدوان، فإن طهران تنزلق نحو النموذج الذي اعتبرته في مقالي القديم قتل الأبرياء باسم "الرد" و"الردع". هذا النوع من الأفعال لا يصنع "شهداء"، بل يصنع ضحايا جددًا، ويزرع بذور حروب مستقبلية.

انهيار نظرية "الطائر العظيم"

كنتُ من المؤمنين — وما زلت — بأن السلم هو الغاية العليا لبناء الدول وحماية الشعوب من عبث الحروب.
ومن هذا المنطلق دعوت في عام 2017 إلى تصور نظري لتحالف إقليمي بين:
• السعودية
• تركيا
• إيران

وتخيّلت هذا التحالف كطائر عظيم:
• تركيا وإيران جناحاه،
• والسعودية قلبه النابض.

ثم لاحقًا رأيت أن تكتمل الصورة بإضافة باكستان كعضد استراتيجي وعسكري.
لم يكن الهدف محورًا عسكريًا، بل منظومة استقرار ذاتي، وذلك ببناء توازن داخلي يُجنّب المنطقة أن تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة.

لكن ما نشهده اليوم يكشف أن الفكرة اصطدمت بعائق جوهري:
غياب الالتزام الأخلاقي بفكرة الدولة المسؤولة.

وهكذا أعترف أن تصوري القديم (2017) كان حلمًا استراتيجيًا يهدف إلى كسر "التحالفات العمودية" (التي تربط دول المنطقة بقوى خارجية) واستبدالها بتوازن أفقي من الداخل. لكن ما حدث من ردّ إيراني على دول الخليج يمثل "الطعنة القاتلة لهذا التصور".

لقد تخيّلت السعودية "قلبًا نابضًا" للتحالف، لكن إيران، بضربها دول الخليج، تعاملت مع هذا "القلب" ومحيطه كـ"أوراق مساومة" أو أهداف ثانوية. كانت رؤيتي تقوم على أن "مصالح منطقتنا فوق كل شيء".

لا أختلف حول أن الهجمات التي طالت إيران — مهما كان توصيفها السياسي — تحمل في جوهرها محاولة لاستنزاف المنطقة بأكملها، لا دولة بعينها. لكن الأخطر من الاعتداء ذاته هو شكل الرد. فالرد الإيراني بهذه الطريقة يثبت أن طهران تضع مصلحة نظامها وسردية "المقاومة" فوق أمن الجوار، حتى لو كان ذلك على حساب أرواح الأبرياء الذين تحدثت عنهم في مقالي.

حين يتحول الرد إلى استهداف دول الجوار، أو تعريض شعوب المنطقة ومنشآتها ومصالحها للخطر، فإننا نكون قد انتقلنا من منطق الدفاع إلى منطق توسيع دائرة الألم.

وهنا يعود سؤال «الوعد الحق»:
هل الدفاع عن النفس يكون بفتح ساحات جديدة للقتل؟
هل تتحقق العدالة بإدخال شعوب أخرى في دائرة النار؟

إن قتل الأبرياء — أيًا كان المبرر — لا يمكن أن يكون طريقًا إلى نصر أخلاقي أو ديني أو حتى استراتيجي.


الموقف السعودي… سياسة منع الانزلاق

في هذا السياق، جاء الموقف السعودي الرافض لاستهداف دول المنطقة باعتباره محاولة واضحة لمنع انتقال المواجهة من نطاقها الثنائي إلى فضاء إقليمي شامل. فالبيان الذي أصدرته السعودية ليس مجرد إدانة سياسية عابرة، بل هو وثيقة تعكس المبدأ الذي ناديت به:

 الفصل بين الجاني والمحيط: البيان يشير بوضوح إلى أن السعودية ودول الخليج رفضت استخدام أجوائها في الحرب ضد إيران، ومع ذلك تم استهدافها. هذا هو "الاعتداء الغاشم الذي لا معنى له" الذي ذكرته.

 تغليب الدبلوماسية: إعادة التأكيد على "تبنّي نهج الحلول الدبلوماسية" هو ترجمة عملية لـ"الجنوح للسلم" الذي تؤمن به.

 الردع المشروع: إضافة باكستان كـ"عضد استراتيجي" (بما في ذلك التلميحات النووية) هو التطور الطبيعي لسياسة "لن نسمح لأي طرف باستخدام أجوائنا". عندما تفشل قواعد الاشتباك الأخلاقية، يصبح بناء القوة الردعية هو الخيار الوحيد لحماية الأبرياء.


الشهادة… ليست في القتل بل في الحماية

في مقالي القديم، استحضرت قصة الشرطي الأمريكي المسلم "مجاهد رمز الدين" الذي ضحّى بحياته لإنقاذ إنسانة بريئة.
لم يقتل أحدًا، بل مات وهو يمنع القتل.

ذلك النموذج يختصر الفرق بين:
• من يموت ليحمي الحياة،
• ومن يقتل باسم قضية.

فالأول يصنع جسرًا بين الشعوب،
والثاني يصنع قبورًا.

الشرطي الأمريكي المسلم حمى جاره بجسده. هذا فعل فردي بطولي.
على المستوى الدولي، تقوم السعودية بالدور نفسه: "حماية الجوار". لكن أدوات الحماية تختلف. عندما توقّع السعودية اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان، فإنها ترسل رسالة واضحة لإيران (ولأي طرف آخر): "إذا استهدفتم الأبرياء في محيطنا، فستواجهون قوة لا قِبل لكم بها".


خلاصة

ما حدث هو انتصار لواقع "الاستنزاف" على حلم "التكامل".

لقد أثبتت إيران، بردّها الحالي، أنها غير مؤهلة (حتى الآن) لأن تكون "جناحًا" في طائر إقليمي، لأنها تستخدم قوتها لاستهداف الجيران بدلًا من حمايتهم معًا من التهديدات الخارجية.

بيان السعودية الأخير، واتفاقياتها الدفاعية مع باكستان، هما بمثابة "جدار حماية" بشري وسياسي، يحاول أن يحقق على مستوى الجغرافيا ما فعله "مجاهد رمز الدين" على مستوى الحي: منع المعتدي من الوصول إلى الأبرياء، وإذا وصل، يكون الثمن باهظًا.

الحدث يفرض تطبيق هذه البوصلة على مستوى الدولة. فالدولة التي تريد حماية مواطنيها (الأبرياء) من "الموت العشوائي" الذي تسببه الصواريخ الإيرانية، يجب أن تبني تحالفات ردعية، حتى لو كان ذلك على حساب حلم "التحالف الإسلامي الكبير".

وهكذا، في عام 2017، كنا بحاجة إلى حلول سلمية وتوافق. لكن إيران، بضربها دول الخليج اليوم، هي من أغلقت هذا الباب، واضعةً المنطقة أمام خيارات أكثر صعوبة، لكنها ضرورية للحفاظ على ما تبقى من "أرواح بريئة".

السلام يظل الهدف الأعلى،
لكن حمايته — أحيانًا — تتطلب قوة تمنع الحرب قبل أن تبدأ.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.