: آخر تحديث

خطر الغذاء القادم

2
4
2

تستنزف الهزات الاقتصادية المتعاقبة طاقة المجتمعات؛ لتفضي إلى واقع معيشي قسري، غايته مجرد الصمود أمام طوفان الغلاء، في وقت أضحى شح السلع واضطراب سلاسل التوريد، مهدداً مباشراً لسلامة الأجساد.

إن الارتفاع المتسارع في تكاليف الأسواق نتيجة لارتفاع أسعار الوقود وكلفة النقل وموجات الطقس القاسية التي أفسدت المحاصيل، لتشهد الأسواق قفزات غير مسبوقة في أسعار سلع أساسية لا غنى عنها، حيث تضافرت موجات الجفاف الشديد والحرارة المرتفعة في حوض البحر المتوسط؛ لتخلق نقصاً كبيراً في المعروض، مع غلاء أعلاف الحيوانات وانتشار الأمراض التي أضرت بالماشية، ما دفع أصحاب المزارع والمصانع إلى رفع الأسعار مباشرة لتغطية خسائرهم، لتصبح فواتير الشراء عبئاً ثقيلاً يفوق طاقة الكثير من الأسر.

لم يتوقف أثر هذه الأزمة عند حدود الأموال بل امتد لينعكس بشكل مباشر على صحة المواطنين، إذ أجبر الغلاء العائلات على تغيير نظامها الغذائي إلى نمط ضار يُعرف طبيّاً بالجوع المقنع، فتخلت الكثير من الأسر عن اللحوم الطازجة والخضراوات المفيدة والزيوت الطبيعية، واستبدلتها بالأطعمة المصنعة الرخيصة المليئة بالدهون الضارة والسكريات المكررة.

أدى هذا التراجع في جودة التغذية إلى حدوث طفرة في أمراض التمثيل الغذائي، وانتشار السمنة المفرطة، وزيادة حادة في إصابات السكري وضغط الدم وأمراض القلب، ليرتد غلاء الأسواق في النهاية على شكل طوابير ضغط وإجهاد طبي داخل المستشفيات والمراكز العلاجية.

وتداخلت الصراعات السياسية والحروب المشتعلة في الممرات البحرية الحيوية لتكون سبباً أساسياً في زيادة فواتير شحن البضائع والتأمين، إذ أدى الخوف من استهداف الناقلات إلى إجبار السفن على الدوران حول قارة إفريقيا عبر طريق الرجاء الصالح، هذا المسار الطويل تسبب في استهلاك كميات ضخمة من الوقود وضاعف أسعار نقل الحاويات، ما ظهر أثره فوراً في زيادة كلفة التصنيع واستمرار موجة الغلاء بشكل متواصل، وانتقلت آثار هذه الموجة الصعبة إلى الدول العربية بشكل أشد وأكثر قسوة، خاصة في البلدان التي تعتمد بشكل كثيف على استيراد الحبوب والقمح من الخارج، حيث أحدث التراجع الكبير في القدرة الشرائية نقصاً حاداً في توفير المواد الأساسية.

ينعكس هذا الوضع سريعاً على الحالة الطبية للمجتمعات من خلال انتشار أمراض فقر الدم الحادة بين الأطفال والأمهات، ونشوء مشاكل تقزم المواليد بسبب سوء التغذية، وغياب الفيتامينات والمعادن الأساسية نتيجة خلو الموائد من المنتجات الحيوانية، ما بات يهدد الكفاءة البدنية والذهنية للأجيال الجديدة، وتواجه الحكومات والمؤسسات اليوم تحدياً كبيراً لوضع خطط عملية تحمي أجساد الناس من مخاطر الأمراض، إذ لم يعد تقديم الإعانات المالية المؤقتة كافياً لحماية الصحة العامة، ما يتطلب دعماً حقيقياً للزراعة المحلية وتأميناً مستداماً لطرق التجارة وسلاسل الإمداد، لتحويل نظام الحياة اليومي إلى نموذج صحي صلب وآمن يقضي على مخاطر سوء التغذية في البيئة المحلية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد