ناهد الأغا
في ليلة يتجدَّد فيها ضياء المجد، وتحت رعاية مولانا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله- ونيابةً كريمةً عنه، تشرف صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز، نائب أمير منطقة الرياض، بحضور الحفل السنوي لتسليم جائزة الملك فيصل العالمية في دورتها الثامنة والأربعين. ارتدت الرياض في تلك الليلة حُلَّةَ الفخر الخضراء، تستقبل أمراء المملكة وأعضاء السلك الدبلوماسي، والمفكِّرين والعلماء القادمين من مشارق الأرض ومغاربها، وكانت وجوه المكرَّمين تتوهَّج نورًا يتجدَّد في عيون الأكارم، ثم اعتلى المنصة صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن فيصل بن عبد العزيز، حاملاً راية الجائزة التي أوصى بها الراحل الملك فيصل بن عبد العزيز -طيَّب الله ثراه- فرفع الشكر لمقام خادم الحرمين الشريفين على رعايته لهذا الصرح الحضاري، مثمِّنًا حضور نائب أمير الرياض، ثم انطلق في كلمته قائلاً: «إننا في جائزة الملك فيصل معنيون بتكريم العلم، والاحتفاء بالعلماء الذين يعملون لإسعاد البشرية». وجاء إعلان الفائزين بجائزة الملك فيصل العالمية 2026 ليجسِّد تنوع العطاء الإنساني والعلمي عالميًّا:
* في خدمة الإسلام: الشيخ عبد اللطيف الفوزان (السعودية)، والدكتور محمد أبو موسى (مصر).
* في الدراسات الإسلامية: الدكتور عبد الحميد حمودة (مصر)، والدكتور محمد حسين (الأردن).
* في اللغة العربية والأدب: الأستاذ بيير لارشيه (فرنسا).
* في الطب: البروفيسورة سفيتلانا مويسوف (الولايات المتحدة) لاكتشافها هرمون GLP - 1
* في العلوم: البروفيسور كارلوس كينيغ لإسهاماته في الرياضيات التطبيقية.
لكن ما وراء الجائزة؟ قصة أعمق.
كل عام، حين يحتفل العالم بالفائزين، لجائزة الملك فيصل -طيب الله ثراه- إنه خلود يومي لرجل جعل من بلده منارةً للفكر.
ثم الفائزون شيخ سعودي، ومصريان، وأردني، وفرنسي، وأمريكيان، إنهم ملتقى حضارات بلا حروب: فرنسي يترجم المعلَّقات إلى الغرب، وأوكرانية الأصل تكتشف دواءً للسمنة، وأمريكي يُطوِّر رياضيات تخدم التصوير الطبي، وكلهم نالوا التكريم من بلد مسلم محافظ، هذه ليست تفصيلة صغيرة، بل رسالة تذكير بأن الحضارة الإنسانية ملك للجميع، وأن بلد الحرمين يؤمن بأن العلم يقرب ولا يباعد، فكل عالم مكرَّم هو سفير لجائزة بلده، وكل باحث زار الرياض وعاد بذكريات طيبة يصبح تلقائيًاً سفيراً لطيفاً للمملكة في وطنه، يحدِّث زملاءه وتلاميذه عن التجربة الإيجابية التي عاشها في الرياض، عن الكرم السعودي، والتنظيم المبهر، والاحترام الذي قوبل به، وهذه حقيقة لا يمارى فيها اثنان. هنا يعود الحديث إلى الراعي الأول: تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- الذي كان ولا يزال أباً للعلم والمعرفة، فأولى الجائزة اهتماماً استثنائياً، وتوجيهاته السامية بتطوير الجائزة، وتوسيع نطاقها العالمي، تؤكد أن المملكة تحت قيادته تمضي بثبات نحو مجتمع المعرفة، الذي أعلنته رؤية 2030 هدفاً استراتيجيا ورؤية 2030 التي أطلقها سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- جعلت من تنويع الاقتصاد وبناء مجتمع حيوي محورين أساسيين..
تأتي جائزة الملك فيصل كذراع ثقافية وعلمية لهذه الرؤية الطموحة: في مجال الاقتصاد المعرفي، تشجِّع الجائزة البحث العلمي والابتكار؛ وفي مجال تعزيز الهوية الوطنية، تذكِّر الجائزة السعوديين بأن بلدهم كان ولا يزال منارة للعلم؛ وفي مجال الانفتاح العالمي، فإن استضافة نخبة العلماء من كل دول العالم يحقق هدف تعزيز مكانة المملكة كمركز ثقافي عالمي، ثم إن التميز العلمي قيمة سعودية أصيلة، والجائزة تغرس في نفوس الشباب السعودي الطموح أن يكونوا هم الفائزين غدًا بإذن الله.
ختاماً، نرفع أجلَّ التهاني، ونقول بكل فخر: مبارك للفائزين تكريمهم، ومبارك للرياض سناها المتجدِّد، ومبارك للأمة علماؤها، ومبارك للعالم أن في جزيرة العرب من يحتفي بالعقل كما يحتفي بالقلب، والحمد لله رب العالمين.

