الحواراتُ بين شعوبِ الأرض وأممِها كثيرةٌ ومتنوعةُ الموضوعات والاهتمامات، وتأخذ أشكالاً متعددة، منها الموسيقية والرياضية. أقربها إلى القلوب شعبيّاً ذلك الحوارُ الكرويُّ العالميُّ الذي يتجدَّدُ مرةً كلَّ أربعِ سنوات في بطولات كأس العالم. حوارُ المستديرة الكوني (المونديال) يتحوّل معه كوكبنا الأرضي إلى استاد واحدٍ فسيح يمتدّ في خمس قارات، تتنافس فيه المنتخبات تنافساً رياضياً، وجمالياً، وإنسانياً. هذه البطولات -أو بالأحرى المهرجانات الكروية العالمية- لا تقتصر على مريدي وعشّاق اللعبة وحدَهم، بل تستأثر باهتمام الجميع، وتصل حتى إلى ربّات البيوت. آخر تلك الحوارات التي تابعناها بشغف كانَ في قطر عام 2022؛ حيث عاشت شعوبُ العالم نحو شهر مهرجاناً راقياً في تظاهرته وتنظيمه ومبارياته، وتُوّج بحصول المنتخب الأرجنتيني على كأس البطولة.
خلال الأيام القليلة المقبلة، يتهيأ عشاق كرة القدم -وغيرهم أيضاً- لبدء حوارٍ رياضي كوني جديد، تتوزَّع طاولته المستديرة، هذه المرّة، بين ثلاث دول: أميركا، وكندا، والمكسيك. إلا أنَّ بهجة اقترابِ موعده تداخلت فيها عوامل عدة لبَّدت الأجواء، ونعني بذلك الحرب الأميركية ضد إيران. ذلك أن الحروب بطبيعتها تفرض نفسها ومعجمها، وتسرق من القلوب طمأنينتها. أضف إلى ذلك أن حضورها يفرض على المسؤولين في الدولة المضيفة إبداء كل الاهتمام نحوها.
وهناك إلى جانب الحرب ما توارد في نشرات الأخبار عن الإجراءات الصارمة التي فرضتها السلطات الأميركية بمنع منح تأشيرات دخول لمواطني عدد من الدول، بمن فيهم أفراد ومسؤولو منتخبات تلك الدول المشاركة في البطولة. وهناك أيضاً الموقف الأميركي من المنتخب الكروي الإيراني، الذي وضعتْه القرعة ليلعب مبارياته في أميركا، وما صاحب ذلك من شدٍّ وجذبٍ سياسي مع الـ«فيفا».
دع عنك ما تناقلته وسائل الإعلام من أخبار وتقارير ذات صلة بأسعار تذاكر مضللة تمثلت في دفع مشجعين أسعاراً مرتفعة لمقاعد مصنفة رخيصة، وكذلك رفع أسعار تذاكر المباريات بشكل مبالغ فيه، وتربّح الاتحاد الدولي لكرة القدم الـ(فيفا)، الأمر الذي دفع السلطات في ولايتي نيويورك ونيوجيرسي إلى التحقيق.
نحن إذن أمام بطولة كروية عالمية تُقام في أجواء سياسية غير عادية، تسبب إحباطاً لدى عشّاق اللعبة، هذا بالإضافة لتأخر التأشيرات لعدد من الفرق الرياضية المشاركة في البطولة. لكن أميركا -رئيساً وإدارةً- تعهدت بتوفير كل التسهيلات لإنجاح البطولة. فهل تتمكن المستديرة من فرض حضورها، وتستأثر بما تستحق من اهتمام من عشاق اللعبة ووسائل الإعلام، أم أن أجواء الحرب ولغتها ستواصل الحضور وتطغى على مهرجان الكرة العالمي، وتطفئ قناديل البهجة المأمولة في القلوب؟
فسحة الأمل المعهودة في البشر تضيق وتتسع وفق الظروف والحوادث. ونعتقد أنه سيكون هناك انفراج يبهج محبي المستديرة ويسعدهم. فالمستديرة، حتى إن تلطّخت أحياناً بغبار وأوحال السياسة وصراعاتها، تملك قدرة عجيبة على ترميم ما تفسده الحروب. وفي انتظار مزيد من الأخبار المشجعة عن هذا الانفراج، وانطلاق صافرة البداية في ميادين الكرة. يبقى الرهان قائماً على انتصار صخب مدرجات الملاعب البهيج على قعقعة السلاح. وأن الحوارات الكروية العالمية، وحوارات الرياضة والفنّ عموماً، تظل هي الأجمل والأقدر على جمع قلوب شعوب العالم.

