استكمالاً لمقال الأسبوع الماضي، الذي تفاعل معه الكثيرون واستاءوا من وصول حال البعض في إهمال والديهم بالمستشفيات والامتناع عن أخذهم بعد انتهاء علاجهم، فإن جحود هؤلاء وعقوقهم يجعلان منهم مجتهدين لتصنيف والديهم كـ «معاقين» للحصول على مميزات مالية وتخفيف ساعات العمل، وحتى التقاعد المبكّر للعناية بهم، بينما هم في الواقع «مرميين» بالمستشفيات، وهناك مَن يستغل هذا الإهمال للاستيلاء على ممتلكاتهم ورواتبهم من خلال أخذ توكيلات شخصية منهم، أو عبر التحايل للحصول على تقرير «فقدان الأهلية»، وفي جميع الأحوال يتسبب الإهمال في قيام الدولة بالإنفاق مرة أخرى على ذلك المسنّ نفسه الذي وفّرت الدولة لأبنائه الأموال والمميزات، ليموت بين حوائط المستشفى!
وقد اقترحنا الأسبوع الماضي إصدار تشريع يجرّم إهمال الوالدين في المستشفيات بتعديل قانون 27/ 2020، من خلال إضافة مادة بهذا الشأن في بند العقوبات، وذلك لما يشكّله هذا الإهمال من ضغط على وزارة الصحة وإضاعة الأوقات الثمينة لطاقم الأطباء الذين يضطرون لتشكيل لجان «إدارة الأسرّة»، لتبحث عن السرير الخالي بأجنحة المستشفيات ودراسة الحالات مراراً، لتوفير سرير لمَن هم بأمسّ الحاجة، لأنه يساوي إنقاذ حياة مستحق للعلاج، كل هذا الهدر والعناء بسبب وجود أبناء عاقّين جاحدين مخالفين لشرع الله، الذي أمرنا فقال: «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ»، وهو جحود يترتب عليه استيلاء على الأسرّة بالمستشفيات، يعادل الاستيلاء على المال العام.
وإنك لتشعر بالحزن حين تتصفح قانون 18/ 2016 بشأن رعاية المسنين، وهما في الغالب الوالدان، الذي يحدد مَن يتكفل بهما حين يمتنع الأبناء والأحفاد وحتى الأشقاء عن رعايتهما، فيأتي القانون لمواجهة هذا العقوق بإعطاء وزارة الشؤون الحق باللجوء إلى محكمة الأسرة، حسب المادة 14، لإجبار مَن تحدده لرعايتهما، ولتحدد مقدار النفقة التي يحتاجونها لتصرفها الدولة إذا لم يكن لدى المسنّ أو لدى مَن يقوم بالعناية به أيّ أموال.
وقد أقرّ هذا القانون الذي حلّ محل القانون الصادر عام 2007، والذي أشرنا إليه في السابق، عقوبات تصل إلى السجن والغرامة بحق مَن يمتنع عن واجبات الرعاية، وترتّبت على ذلك الإهمال أضرار بالمسنّ أو وفاته.
إننا نعرض هذه المعلومات ليتخيل الناس درجة العقوق التي يصل إليها بعض الرجال والنساء تجاه والديهم.
إن الحلّ الأمثل لإنهاء مشكلة شُح الأسرّة وتوفير المئات منها للمرضى المستحقين في المستشفيات التي يستولي عليها المسنون المُهمَلون الذين تم الانتهاء من علاجهم ورفض أهاليهم تسلّمهم، هو أن تتفق وزارة الصحة مع نظيرتها «الشؤون» لنقلهم بشكل أوتوماتيكي إلى دور إيواء رعاية المسنين بـ «الشؤون».
وعلى الرغم من وجود محاولات منذ 2015 بين وزارتَي الصحة والشؤون ضمن بروتوكول تعاون للتعامل مع حالات الإهمال، والذي أشار إليه مسؤول في «الشؤون» منذ خمسة أعوام أيضاً، فإن هذه البروتوكولات لم تأتِ بنتائج حاسمة، لذلك يجب أخذ قرار حازم لا هوادة فيه، لتطبيق ما اقترحناه لنقل المهمَلين فوراً إلى دور إيواء المسنين بـ «الشؤون»، التي بالطبع سيخشى أبناؤهم الذين أهملوهم بكل وقاحة في المستشفيات أن يُنقلوا إليها خوفاً من أن يُقال عنهم في المجتمع إن آباءهم أو أمهاتهم في «دار العَجَزة».
***
إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.

