: آخر تحديث

أصل العادات والتقاليد والأطعمة والاختراعات

4
4
3

بصرف النظر عن خلفياتنا الدراسية أو الدينية، أو تربيتنا، أعمارنا أو ثقافتنا، إلا أننا جميعا، بدرجة أو بأخرى، نقوم بأداء عشرات الأمور، والاعتقاد بما يماثلها عددا، في مختلف المناسبات وحفلات الخطوبة والزواج، والطلاق، والأكل والضيافة، والزيارة، والجلوس على المائدة، واستخدام أدواتها، والتشاؤم من الرقم 13 أو القط الأسود، والتفاؤل برقم محدد، والشعور بالخوف من خطر ما، وكل ذلك يتم لأسباب لم نكترث بمعرفتها يوما، بل ورثناها ممن سبقونا، ولا يبدو أن بمقدور الغالبية الفكاك منها، إلا إن اختاروا العيش منفردين.

يقول ناشر كتاب «قصة العادات والتقاليد وأصل الأشياء»، للباحث شارلز باناتي، ان موضوع الكتاب يثري المعرفة، ويمتعنا ليس فقط بالاكتشافات، بل وبجدليَّة الضعف والقوة فينا، ونتعرف على الأصول العجائبية للكثير من الأمور والأشياء في حياتنا. ونقرأ القصص الساحرة وراء أكثر من 500 اختراع، وجذور الاحتفالات بالأعياد، كالأم والعمال والميلاد، ومعنى ارتباط الحظ بحدوة الحصان، وسبب النقر على الخشب، وحكاية العم سام، وفستان العروس، وارتداء الملابس السوداء في المآتم، وارتداء الأبيض عند غيرهم، وغير ذلك، وسبق أن تطرقنا لبعضها، وسنتطرق لغيرها مستقبلا.

* * *

تكرر الكثير من الشعوب، الغربية والشرقية، عبارات تتعلق بتمني الصحة عند تناول شراب أو طعام، مثل «في صحتك»، دون معرفة منشأ الفكرة. اقتراح شرب النخب نشأ أساسا عند الإغريق في أوائل القرن السادس قبل الميلاد لسبب وجيه جداً يتمثل في طمأنة المضيف لضيوفه أن ما يتناوله «خالٍ من السم»، وكانت تلك وسيلة مفضلة للتخلص من «الأعداء»، ولذا كان على المضيف، إن أراد إثبات صدقه، أن يأخذ جرعة من الشراب، قبل أخذ الضيوف جرعتهم، للتأكد من خلوه من السم القاتل.

كما دأب الرومان على رمي قطعة خبز محمصة في القدح، لوجود اعتقاد، ساد لسنوات، بأنها ستعمل على تحلية الشراب. إلا أن الأبحاث العلمية الحديثة أكدت أن الفحم يعمل على تخفيض حموضة الشراب، ما يعني أن قطعة خبز محمصة حتى الاسوداد تفيد إذا ما أضيفت إلى شراب حامض، تجعله أكثر حلاوة واستساغة. ومن هنا أتت كلمة «Toast» الإنكليزية، من الكلمة اللاتينية «Tastus» وتعني خبز محمص، ومنها عبارة «اقتراح نخب Making Toast» وأصبح الشراب مع مرور الزمن يستخدم للأنخاب، وكان الأمر سائدا بشكل كبير، لدرجة اعتبر فيها الامتناع عن شرب نخب ضيف ما، على مائدة الطعام، إحدى الطرق الفعالة لإهانته.

كما اعتادت مختلف الشعوب على الصلاة والشكر لله، قبل أو بعد تناول الطعام، إما لزيادة المحصول، أو لخوف، البدو الرحَّل مثلا، من احتمال عدم سلامة الطعام الذي يجدونه، فقد يكون اللحم متعفنا، والحليب محمضاً. كما كانت بعض النباتات، كالفطر والتوت والدرنات النباتية، سامة في معظمها. وكان الطعام الفاسد يؤدي إلى تشنج أو شلل مؤقت أو حمى أو غثيان أو الموت، ولذا كان البشر، ولا يزالون، يصلون، أو يبسلمون، قبل تناول الطعام، شكرا أو تجنبا لتأثيراته الضارة المحتملة. وتؤكد الآثار الباقية لشعوب الشرق الأوسط وأفريقيا هذا الاعتقاد، إذ كانوا يقدمون الأضاحي والقرابين لآلهتهم قبل الوليمة، ليس شكراً لها، بل تجنباً للتسمم، الذي قد يحدث.

أصبح الإنسان في ما بعد يزرع محاصيله الخاصة ويرعى قطعانه بنفسه، فغدا واثقاً من سلامة ما يتناوله.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد