كلنا يعرف جيدا ان الحياة متقلبة، وهي خُلقت كذلك، لكن المشكلة أننا نعيشها وكأن كل ما نملكه دائم، وكل من حولنا باقٍ، وكل نجاح وصلنا إليه لن يغادرنا، وكل خسارة أصابتنا لن تغادرنا أيضًا.
وهذا هو الوهم الأكبر.
نتخيل دائما ان ما بين «كان» و«أصبح» متسع من الوقت، ولكنها بالحقيقة مساحة زمنية لا تُقاس بالدقائق، بل بالقدر.
كم من امل نام عليه إنسان معتقدا أن الغد يحمل له الفرج، ليستيقظ على واقع غيّر عمره كله.
وكم من آخر أغمض عينيه على هم الدنيا، ثم فتحهما على سعادة لم يتخيل أنها في انتظاره.
الحياة لا تعطي إشارات قبل أن تتبدل، لذا فأكثر الناس حكمة ليس من يعرف ماذا سيحدث غدًا، بل من يهيئ نفسه لكل ما قد يحدث.
وهنا يأتي معنى الرضا، وكلما ازداد الانسان يقينًا بسرعة تقلب الأحوال، ازداد اتزانًا في تعامله معها.
الرضا ليس أن تأتي الحياة كما نشتهي، بل أن نمتلك من النضج ما يجعلنا نستقبل ما كتبه الله دون أن نفقد اتزاننا، دون ان نبالغ في مشاعرنا، نفرح دون غرور، ونحزن دون انهيار.
وإن ربحنا... ايقنا انه ليس انتصارا إلى الأبد، وإن خسرنا فلا نعتقد أن كل شيء انتهى.
المبالغة في التعلق هي أول أسباب الألم... نتعلق بالأشخاص وكأن الفراق مستحيل، وبالمناصب وكأنها خالدة، وبالصحة وكأن المرض لا يعرف طريقه إلينا، وبالحزن أيضًا وكأنه لن يرحل أبدًا.
لو أدرك الإنسان بعمق أن كل ما في هذه الدنيا عابر، وأن الثابت الوحيد هو الله، لتغيرت طريقتنا في الحياة كلها.
حتى علاقاتنا مع الآخرين ستصبح أكثر لطفًا، لأنهم قد يغيبون في أي لحظة. وسنكون أكثر شكرًا للنعم التي نعيشها، لأننا نعلم أنها ليست حقًا مكتسبًا.
حتى صبرنا على البلاء سيزيد، لأننا ندرك أن دوام الحال ليس من سنن الحياة.
بالتأكيد نحن لا نملك أن نمنع الحياة من أن تتغير، لكننا، وبتأكيد اكثر، نملك أن نختار كيف نستقبل هذا التغيير.
وهذا هو الفرق بين من تكسره الأحداث، ومن تصنعه الأحداث.
لذا... لتكن دعواتنا كلما تقدمت اعمارنا، ليس ان تكون حياتنا دون تقلبات، فهذا يخالف طبيعتها، بل أن يجعل قلوبنا ثابتًة وأن يرزقنا الله من الحكمة ما يجعلنا لا ننخدع بإقبالها، ولا ننهزم عند إدبارها.
إقبال الأحمد

