: آخر تحديث

حين يصبح الوعي جريمة

3
3
3

لحظة من فضلك، لماذا يخاف العالم من سؤال أكثر مما يخاف من مخدّر؟

لم تكن أخطر الحروب في التاريخ تلك التي دارت على النفط أو الذهب أو الحدود، بل تلك التي دارت داخل الدماغ البشري. فمنذ آلاف السنين، والسلطات بكل أشكالها؛ السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، لا تتنافس على احتلال الأرض بقدر ما تتنافس على احتلال الوعي. الأرض يمكن أن تُسترد، أما العقل فإذا أُعيد تشكيله، أصبح يدافع بنفسه عن سجنه!

لهذا السبب، كلما ظهر شيء يعد بتغيير طريقة إدراك الإنسان للعالم، اشتعل الجدل قبل أن تبدأ التجارب العلمية. لا لأن الجميع يعرف الحقيقة، بل لأن أحدًا لا يعرفها كاملة، المواد السايكيديلية التي اعترف مشاهير المال والسياسة بتناولها ومنهم إيلون ماسك على سبيل المثال الحصر ليست مجرد مركبات كيميائية، إنها سؤال فلسفي متخفٍ في هيئة دواء، وتجربة عصبية تتحدى أعقد عضو عرفه الكون: الدماغ البشري، الغريب أن التاريخ يعيد نفسه بطريقة ساخرة. قبل عقود، صُنّفت هذه المواد باعتبارها خطرًا على الحضارة، وأُغلقت المختبرات، وتوقفت الأبحاث، وتحولت الكلمة نفسها إلى مرادف للجريمة والانحراف. ثم، بعد نصف قرن تقريبًا، عادت الجامعات نفسها التي كانت تحاربها لتفتح أبوابها من جديد، وعادت أعرق المراكز البحثية لدراستها تحت إشراف صارم، وعادت شركات التكنولوجيا الحيوية تضخ مئات الملايين في تطوير علاجات تعتمد عليها.

ماذا تغيّر؟

هل تغيّرت المادة أم تغيّر الإنسان؟

تشير دراسات حديثة في علم الأعصاب إلى أن بعض هذه المركبات تقلل مؤقتًا من نشاط ما يسمى (شبكة النمط الافتراضي) وهي الشبكة العصبية المرتبطة بالإحساس الثابت بالذات، واسترجاع الماضي، وتوقع المستقبل، وبناء الأنا. حين تهدأ هذه الشبكة، يشعر بعض الأشخاص وكأن الحدود التي تفصلهم عن العالم بدأت تتلاشى. يرى البعض في ذلك علاجًا، ويراه آخرون تهديدًا!

لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا يرى الإنسان أثناء التجربة، بل: ماذا يرى بعد انتهائها؟

كم من الأفكار التي نعتبرها اليوم بديهيات ليست سوى عادات عصبية؟ وكم من القناعات التي ندافع عنها حتى الموت ليست إلا برامج قديمة كتبها المجتمع داخل أدمغتنا منذ الطفولة؟

ربما لهذا السبب تخيف فكرة إعادة تشكيل الإدراك أكثر مما تخيف أي مادة أخرى.

فالسلطات تستطيع السيطرة على الأجساد بالقوانين، وعلى الأموال بالضرائب، وعلى الإعلام بالرقابة، لكنها تصبح أقل قدرة على توقع إنسان بدأ يشكك في الطريقة التي يرى بها الواقع نفسه.

ومع ذلك، فإن الرومانسية المفرطة تجاه هذه المواد لا تقل خطورة عن شيطنتها.

ليست كل تجربة تنتهي بالحكمة وليست كل رحلة داخل العقل تنتهي بالعودة.

هناك أشخاص أصيبوا باضطرابات نفسية حادة، وآخرون دخلوا في نوبات ذهان، خصوصًا ممن لديهم استعداد وراثي أو أمراض عقلية كامنة. ولهذا فإن البحث العلمي يتعامل معها كأداة طبية دقيقة، لا كلعبة ثقافية أو موضة رقمية يتداولها المؤثرون.

المفارقة أن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق بالمخدرات بقدر ما يتعلق بتعريف الإنسان نفسه وهل الوعي مجرد نشاط كهربائي يمكن إعادة ضبطه؟

أم أنه شيء أعمق من الكيمياء؟

إذا استطاع مركب كيميائي أن يغيّر شعورك بالزمن، وبالهوية، وبالموت، وبالمعنى، فكم من أفكارك الحالية هي بالفعل (أنت) وكم منها مجرد توازنات بين جزيئات دقيقة داخل الدماغ؟

إنها أسئلة تضع الفلسفة وعلم الأعصاب وجهًا لوجه، ولهذا نجد أن بعض كبار المستثمرين ورواد التكنولوجيا يتحدثون عن هذه المواد باهتمام، ليس لأنها تمنح النشوة، بل لأنها قد تمنح طريقة مختلفة للتفكير. فهم لا يبحثون عن الهروب من الواقع، بل عن إعادة تعريفه.

لكن التاريخ يعلمنا درسًا قاسيًا، كل اكتشاف عظيم يحمل داخله احتمالين متساويين: أن يصبح علاجًا، أو يتحول إلى كارثة.

الطاقة النووية أنارت المدن وأحرقت مدنًا أخرى، الذكاء الاصطناعي قد يضاعف المعرفة أو يضاعف التضليل.

والمواد السايكيديلية قد تنقذ مريضًا من اكتئاب قاتل، أو تدفع إنسانًا هشًا إلى انهيار لا عودة منه.

لهذا فإن القضية ليست في المادة.

القضية في الإنسان الذي يستخدمها.

وربما يكون السؤال الأكثر إرباكًا من كل ما سبق هو هذا:

إذا أثبت العلم يومًا أن بإمكان الإنسان أن يوسّع إدراكه بأمان، وأن يعالج أعقد أمراضه النفسية عبر تغيير مؤقت في بنية الوعي، فهل ستكون المقاومة دفاعًا عن الصحة أم دفاعًا عن الصورة التقليدية للإنسان؟

ربما لا نخاف من هذه المواد لأنها تغيّر الدماغ بل لأنها قد تكشف أن كثيرًا مما نسميه (حقيقة) ليس إلا اتفاقًا جماعيًا طويل الأمد.

وعندها لن يصبح أخطر سؤال: هل هذه المواد آمنة؟

بل سيصبح السؤال الذي يربك الحضارة كلها: ماذا لو كان الوعي نفسه قابلًا لإعادة البرمجة؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.