: آخر تحديث

دموع على النعش وسكاكين في كواليس السلطة

1
1
0

في ظاهر المشهد، بدت مراسم الطواف بجثة خامنئي وكأنها لحظة وحدة داخل نظام ولاية الفقيه. وجوه حزينة، خطابات رسمية، شعارات متكررة، وحضور كثيف لرجال الدين وقادة الحرس وأركان الدولة. لكن تحت هذا السطح المنظم، كان هناك مشهد آخر أكثر صدقًا: سلطة فقدت رأسها، وأجنحة تتحسس مواقعها، وسكاكين سياسية تُشحذ خلف ستار الدموع.

فموت خامنئي لم ينهِ الصراع داخل النظام، بل حرره من مركز كان يضبط توازناته بالقمع والابتزاز وتوزيع المصالح. طوال عقود، كان المرشد يمسك بخيوط الأجنحة المتنافسة: يوازن بين الحرس الثوري ورجال الدين، بين التيار المتشدد والتيار المفاوض، بين بيت المرشد ومؤسسات الدولة الشكلية. ومع غيابه، لم يعد هناك حكم نهائي قادر على ضبط الجميع بالطريقة ذاتها.

لهذا تحولت الجنازة إلى مسرح سياسي مزدوج. في العلن، حاول الجميع الظهور بمظهر الوفاء والاستمرارية. وفي الكواليس، كان كل جناح يحاول قراءة اتجاه الريح: من يقترب من الوريث المحتمل؟ من يحظى بثقة الحرس؟ من يستطيع التحكم بمجلس الخبراء؟ ومن يملك القدرة على تعطيل خصومه باسم حماية النظام؟ إنها لحظة صراع العقارب بامتياز؛ لا أحد يثق بأحد، وكل طرف يخشى أن يكون الخاسر الأول في معركة ما بعد خامنئي.

الدموع التي ظهرت على وجوه المسؤولين لم تكن بالضرورة دموع حزن على رجل مات، بل ربما كانت تعبيرًا عن خوف من مرحلة بدأت. فكل واحد منهم يعرف أن النظام يدخل منطقة مجهولة. فالاقتصاد منهك، الشارع غاضب، الإعدامات لم تُخمد الاحتقان، والحرب الداخلية بين الأجنحة لم تعد قابلة للإخفاء خلف لغة "الوحدة" و"الوفاء للمرشد".

الأخطر أن الصراع لا يدور فقط حول شخص الخليفة، بل حول طبيعة الحكم نفسه. هل تستمر ولاية الفقيه بواجهة دينية ضعيفة؟ هل يفرض الحرس الثوري وصايته الكاملة على القرار؟ هل يُدفع مجتبى خامنئي إلى الواجهة بوصفه امتدادًا لبيت المرشد؟ أم تنفجر التناقضات بين مراكز القوة قبل أن يُحسم الأمر؟ هذه الأسئلة تجعل من الجنازة بداية أزمة، لا نهاية عهد.

في المقابل، يحاول النظام أن يخفي عن الشعب حقيقة هذا الصراع، لأنه يدرك أن كشف الانقسام في القمة يشجع الشارع على التحرك. لذلك تُستخدم الجنازات والشعارات والحشود المنظمة لتقديم صورة تماسك مصطنعة. لكن المجتمع الإيراني الذي خبر هذا النظام في السجون والمشانق والفقر لا يحتاج إلى كثير من الأدلة ليدرك أن السلطة أضعف مما تبدو.

وهنا يظهر دور وحدات المقاومة بوصفها التعبير المنظم عن هذا الوعي الشعبي. فهي لا تنظر إلى موت خامنئي كمسألة شخصية، بل كفرصة لكشف هشاشة النظام كله. فالمشكلة لم تكن في فرد واحد فقط، بل في بنية كاملة من القمع والفساد والتدخلات الخارجية. ولذلك فإن سقوط الرأس لا يعني نهاية الاستبداد، لكنه يفتح ثغرة أعمق في جدار الخوف.

لقد أراد النظام أن يجعل من جثة خامنئي مناسبة لتأكيد الوحدة، لكنه كشف حجم الشك بين أجنحته. فالنعش مضى في الشوارع، أما السكاكين فبقيت في الكواليس، تنتظر لحظة الحسم. وفي نظام قام على الخوف، قد يكون أخطر ما بعد خامنئي ليس غياب المرشد، بل افتراس الورثة بعضهم بعضًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.