تشير التطورات الأخيرة في بغداد وتصاعد حملة مكافحة الفساد من قبل الحكومة العراقية، إلى بدء جراحة سياسية جادة في بنية النفوذ الإقليمي للنظام الإيراني. إن الاعتقالات المتلاحقة لمسؤولين وأعضاء في البرلمان العراقي، والذين بلغ عددهم 47 شخصًا على الأقل، إلى جانب مصادرة مبالغ مالية ضخمة، مثل ملف الـ 85 مليون دولار الخاص بوزارة النفط، تستهدف بشكل مباشر الشرايين الحيوية وشبكة التمويل اللوجستي للميليشيات التابعة لطهران. وتكشف هذه الأحداث مجددًا الآليات الخفية لـ"الفاشية الدينية" في تحويل دول الجوار إلى حديقة خلفية لاقتصاده وإرهابه؛ وهي الآلية ذاتها التي جُرِّبت سابقًا خلال النهب الممنهج لأموال منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في معسكري أشرف وليبرتي.
حصر السلاح وقطع شريان الدولار والنفط
تحمل الإجراءات الأخيرة للحكومة العراقية، عشية زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن، رسالتين استراتيجيتين: ضمان حصر السلاح بيد الدولة، ووضع حد للتهريب الممنهج للدولار والنفط لصالح النظام الإيراني. إن تحرك المدرعات العسكرية الثقيلة في المنطقة الخضراء ببغداد ومداهمة المجمعات والبيوت الآمنة، يمثل رمزًا للمواجهة الحتمية للسيادة العراقية مع "حكومة الظل" التي يقودها فيلق القدس التابع للحرس الثوري. واعتراف المسؤولين الأمنيين في العراق بأن هذه الخطوات "جزء من حملة أكبر ضد تمويل الجماعات المسلحة وعمليات تهريب النظام الإيراني"، مع التأكيد على أن "الضغط الأميركي يمثل عنصرًا رئيسيًا في هذا الملف"، يوضح أن المجتمع الدولي والحكومة العراقية قد أدركا أخيرًا حقيقة أن محاربة الإرهاب في المنطقة أمر مستحيل دون تجفيف منابعه المالية وشبكات فساده.
الارتباط التاريخي لشبكات الفساد
إن الفساد الهيكلي والمالي الذي تواجهه الحكومة العراقية اليوم ليس وليد الصدفة؛ فهذه شبكة التهريب وغسل الأموال والنهب تضرب بجذورها في البنية الاستبدادية التي أسسها فيلق القدس منذ عام 2003 عبر توظيف شبكة متداخلة من العملاء المحليين في العراق. وفي هذا السياق، فإن استعادة الفضائح التاريخية التي كشفتها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية تعد مفتاحًا لفهم طبيعة شبكات الفساد هذه؛ حيث بادرت المنظمة بعد احتلال العراق إلى كشف قائمة تضم 32 ألفًا من عملاء ومأجوري فيلق القدس الإرهابي هناك، مسجلة بذلك أول خطوة نوعية لكسر هذه الهيمنة التدميرية.
لقد تأمّن جزء كبير من التراكم الرأسمالي الأولي والأدوات المالية للميليشيات الحالية عبر النهب الممنهج للأموال والممتلكات العائدة لمجاهدي خلق في معسكر أشرف ثم مخيم ليبرتي. وتؤكد الوثائق المنشورة في كتاب "الممتلكات" الواقع في 735 صفحة، كيف سرق عناصر فيلق القدس ممتلكات بقيمة 650 مليون دولار تعود للمجاهدين. وكان هذا النهب الواسع بمثابة تدريب ومقدمة لشبكة الفساد التي قامت في السنوات اللاحقة بتحويل مليارات الدولارات من الثروات الوطنية للشعب العراقي عبر الوزارات وتهريب النفط ومزاد العملة (الدولار) لتصب في خزينة آلة الحرب والإرهاب للنظام الإيراني.
قطع دابر وصول الميليشيات إلى الموارد المالية
تثبت الأحداث الجارية في العراق أن نموذج الحكم القائم على "الميليشيات بالوكالة" و"الفساد المؤسسي" الذي وصفه منظرو الفاشية الدينية في طهران لدول المنطقة، قد وصل إلى نقطة التشبع وبات يحقق عوائد تنازلية. إن حملة مكافحة الفساد في بغداد، سواء كانت ضرورة ناتجة عن الضغوط الدولية والالتزامات المصرفية (مثل قيود الفدرالي الأميركي على حركة الدولار) أو استراتيجية وطنية لاستعادة السيادة، تعني عمليًا تقويض العمق الاستراتيجي للنظام الإيراني. إن قطع وصول الميليشيات إلى الموارد المالية لن يشل قدرتها العملياتية داخل العراق فحسب، بل سيضع آلة الإرهاب الإقليمية لطهران أمام أزمة تمويل خانقة. ومن البديهي أن الشبكات التي تأسست على النهب والفساد هي أول البنى تهاويًا أمام الانضباط المالي وسيادة القانون.
خاتمة: طواف الجثمان وأوهام التغطية على الفساد
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه، اعتبارًا من يوم الجمعة الثالث من تموز (يوليو)، بدأت مراسم تشييع ودفن علي خامنئي انطلاقًا من مصلى طهران الكبير. وبحسب البيان الصادر عن اللجنة المنظمة للمراسم، فإنه سيتم نقل جثمان خامنئي إلى مدينتي النجف وكربلاء في العراق، قبل أن يُنقل أخيرًا ليدفن في مدينة مشهد. واليوم، وبعد مرور أربعة أشهر على مقتل خامنئي، جرى تهيئة الأرضية للاستغلال الأقصى للإمكانات اللوجستية وأجهزة الدولة؛ حيث تم تخصيص كل أساطيل النقل الحكومية والأهلية في البلاد لنقل الأفراد مجانًا من القرى والمدن البعيدة إلى طهران ومشهد وقم. وفي مسعى هندسي لتأمين الحشود البشرية وتضخيمها إعلاميًا، فرض النظام إغلاقًا تامًا لجميع الدوائر والمؤسسات الحكومية، والمدارس، والجامعات، معتبرًا عدم المشاركة في هذه المراسم دليلًا على مناهضة النظام وعدائه للسلطة.
وهنا يكمن الربط الاستراتيجي؛ فإن الإصرار على نقل جنازة خامنئي إلى النجف وكربلاء في هذا التوقيت الحرج بالذات، ينطوي على هدف خبيث يسعى من خلاله النظام إلى التعمية على دوره التدميري في رعاية الميليشيات والفساد المؤسسي في العراق، والتغطية على الفضيحة المدوية المتمثلة في الاعتقالات الأخيرة للفاسدين المرتبطين بطهران. إنها محاولة يائسة لصرف الأنظار عن حقيقة أن رأس الأفعى ومنبع الخراب في المنطقة قد انتهى، وأن شبكات فساده الإقليمية باتت تتهاوى أمام ضربات السيادة والانضباط المالي.


