أراد النظام الإيراني أن يجعل من مراسم تشييع علي خامنئي مناسبة لإظهار القوة والتماسك، لكنه انتهى إلى كشف ما كان يحاول إخفاءه: نظام مأزوم، مرتبك، فاقد للتوازن، وغير قادر على تقديم صورة موحدة عن نفسه في لحظة انتقال حساسة.
فالجنازة لم تكن حدثًا دينيًا عاديًا، بل عملية سياسية وإعلامية واسعة. كان المطلوب منها أن تؤكد أن السلطة الجديدة قادرة على الإمساك بالمشهد، وأن مؤسسات الدولة والحرس والحوزة تقف صفًا واحدًا خلفها. لكن ما ظهر كان مختلفًا تمامًا؛ إجراءات أمنية مشددة، غياب شخصيات أساسية، ارتباك تنظيمي، وحضور خارجي أقل بكثير مما كان النظام يطمح إليه.
أبرز ما كشفه المشهد كان غياب مجتبى خامنئي، الذي يُنظر إليه باعتباره رأس المرحلة الجديدة. فالغياب في مناسبة كان يفترض أن تكون لحظة تثبيت سياسي لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل دليلًا على أن مسألة الخلافة لم تُحسم بصورة طبيعية. التبرير الأمني زاد الغموض بدلًا من أن يبدده، وأكد أن القيادة الجديدة تبدأ من موقع الدفاع لا من موقع الثقة.
كما أن فشل النظام في جمع الرؤساء السابقين والشخصيات الرئيسية في صورة واحدة كشف عمق الانقسامات الداخلية. فقد أراد منظمو المراسم إرسال رسالة إلى الداخل والخارج بأن الصف موحد، لكن الحسابات الفئوية والاعتراضات والقيود الأمنية منعت حتى إنتاج صورة رمزية للوحدة. وهذا بحد ذاته يعكس أزمة سياسية عميقة؛ فالنظام الذي لا يستطيع توحيد رموزه في جنازة زعيمه، كيف يستطيع توحيد قراره أمام أزماته المتراكمة؟
أما الحضور الدولي فجاء أكثر برودة مما توقعت طهران. غياب معظم القادة، وتراجع مستوى التمثيل من دول كبرى يعتبرها النظام حليفة أو شريكة، أظهرا أن العلاقات الخارجية للنظام تقوم على المصالح الباردة لا على التحالفات الصلبة. حتى الشركاء الذين طالما قدّمهم النظام كدليل على قوته، تعاملوا مع المناسبة بحذر ومسافة.
ومن هنا جاء اللجوء إلى العراق، ولا سيما النجف وكربلاء، كتعويض عن هذا الإخفاق. أراد النظام أن يستخدم الرمزية الدينية والنفوذ الميليشياوي لإظهار أن حضوره الإقليمي ما زال قائمًا. لكن هذه الخطوة نفسها كشفت جانبًا آخر من أزمته؛ إذ لم يعد قادرًا على إظهار القوة من داخل إيران وحدها، فاحتاج إلى استدعاء ساحات النفوذ الخارجي لتغطية ضعفه الداخلي.
غير أن العراق ليس ملكًا للفصائل، ولا يمكن تجاهل الذاكرة العراقية تجاه مشروع ولاية الفقيه. فسنوات الميليشيات، والفساد، والاغتيالات، ونهب المال العام، جعلت كثيرين في العراق يرون في خامنئي رمزًا لتدخل أضعف الدولة وعمّق الانقسام. لذلك فإن تحويل المدن المقدسة إلى منصة لتجميل صورة هذا المشروع لا يغير الحقيقة، بل يزيد من الرفض الشعبي والسيادي له.
ما كشفته الجنازة يتجاوز تفاصيل التنظيم والحضور. إنها أظهرت أن النظام يواجه أزمات لا تعالجها المراسم: أزمة قيادة، أزمة شرعية، أزمة داخلية بين أجنحته، أزمة اقتصادية واجتماعية، وأزمة علاقات خارجية. وهذه كلها ليست طارئة، بل بنيوية، لأنها نابعة من طبيعة نظام قائم على القمع في الداخل والتدخل في الخارج.
لذلك، فإن محاولة دفن الأزمة تحت جثمان خامنئي لن تنجح. فالأزمة أعمق من جنازة، وأوسع من مراسم تستمر أيامًا. والنتيجة الواضحة أن نظامًا يعجز عن ترميم شرعيته إلا بالمواكب والرموز الأمنية، لا يملك حلًا حقيقيًا لأزماته. الطريق الوحيد لإنهاء هذه الدوامة هو تغيير جذري يطيح بمنظومة ولاية الفقيه ويفتح المجال أمام شعب إيران لاستعادة دولته وقراره ومستقبله.


