: آخر تحديث

«لصوص بغداد»... و«ألف ليلة وليلة»!

4
4
3

لم يكن كتاب «ألف ليلة وليلة» مجرد مجموعة من الحكايات الشرقية، بل نتاج لقرون من التفاعل الثقافي بين الحضارات الهندية والفارسية والعربية. المفارقة أن قصة «علي بابا والأربعون لصاً»، إحدى أشهر حكاياته، لم تكن جزءاً من النسخة الأصلية للكتاب، بل أضافها المستشرق الفرنسي أنطوان غالان في القرن الثامن عشر، مستنداً إلى رواية شفوية نقلها إليه القاص السوري حنا دياب. وتدور القصة حول لصوص في بغداد يخفون كنوزهم في مغارة تُفتح بعبارة «افتح يا سمسم»، في واحدة من أشهر الحكايات عن المال واللصوصية في المخيال العالمي.

هكذا، ارتبط اسم بغداد في المخيال الشعبي العربي والعالمي بقصص اللصوص والمحتالين، مع أن بعض القصص الشهيرة عن لصوص بغداد تنتمي إلى التراث الحكائي الأسطوري، أكثر من كونها أحداثاً تاريخية موثقة، لكن تاريخ بغداد، تحديداً في العصر العباسي الثاني (عصر نفوذ الأتراك والبويهيين والسلجوقيين)، شهد ظهور طبقة فريدة جداً من «اللصوص» الذين تجاوزوا المفهوم التقليدي للجريمة ليتحولوا إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية وعسكرية معقدة. هؤلاء هم من عُرفوا في التاريخ بـ«الشطار والعيارين»، الذين استُلهمت من أجوائهم لاحقاً حكايات «علي بابا» و«ألف ليلة وليلة»، ولم تكن السرقات في ذلك العصر مجرد سطو مسلح، بل امتزجت أحياناً بـ«أخلاق اللصوص» أو «الفتونة»، وأحياناً أخرى بتمرد طبقي ضد الأغنياء ومانعي الزكاة.

وإذا كانت حكايات «علي بابا» قد قدمت صورة خيالية عن كنوز اللصوص، فإن الواقع المعاصر كشف لنا أن بعض الحكايات تبدو أقل غرابة مما نتصور؛ فأمام منظر أكداس النقود والمجوهرات المنهوبة من خزينة الدولة التي يتم استخراجها من باطن الأرض وشقوق الجدران، يُطرح السؤال الثقافي والأخلاقي: كيف يتحول حبّ المال من وسيلة للحياة إلى بديل عن الحياة نفسها؟ حيث يصبح كل هذا الحجم الهائل من النقود المدفونة عبئاً، لا يمكن تحويله إلى متعة، ولا إلى سلطة، ويصبح المال سجناً لصاحبه.

المفارقة، أن كثيراً من أولئك الذين يخزنون الأموال، لا يعرفون كيف يستمتعون بها، ولا كيف ينفقونها، ولا حتى تحويلها إلى قوة ونفوذ، هي عبء مطلق يحملونه على أكتافهم.

بعيداً عن السياسة، هناك ما يعرف بـ«الشغف المرضي» بجمع المال، وهذا الشغف ليس ظاهرة اقتصادية فحسب، بل هو أيضاً ظاهرة ثقافية ونفسية وأخلاقية، تكشف الكثير عن طبيعة الإنسان وعلاقته بالقوة والأمان والمعنى، فمنذ أن عرف الإنسان النقود، لم ينظر إليها باعتبارها مجرد أداة للتبادل، بل بوصفها رمزاً للقوة والنجاح والأمان.

ربما لم يكن السؤال الحقيقي هو: لماذا سرق هؤلاء كل هذا المال؟ بل كيف طمعوا في لقمة يستحيل ابتلاعها، فالمال الذي لا يُعاش به، ولا يُنفق، ولا يتحول إلى معنى، يتحول من رمز للقوة إلى دليل على الخوف. هنا تحضر العبارة الشهيرة المنسوبة للفيلسوف الروسي فيودور دوستويفسكي «حتى الأحمق يصبح بالمال عملاقاً»، لتعبّر عن واقع مرير يتعلق بسلطة النفوذ المالي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد