: آخر تحديث

الحوثي حين يُخطئ قراءة الصبر

3
2
2

ربما أخطر ما يواجه جماعة الحوثي اليوم أنها صدّقت صورتها التي صنعتها عن نفسها.. ظنت أن قدرتها على الإزعاج تعني قدرتها على فرض المعادلات، وأن استهداف طرق الملاحة يمنحها مكانة دولية، وأن الصمت السعودي في بعض المراحل كان ضعفًا، لا اختيارًا سياسيًا محسوبًا..

ليست المشكلة في أن الحوثي يهدّد السعودية، فقد فعل ذلك من قبل، وجرّب الصواريخ والطائرات المسيّرة والخطاب المتخم بالشعارات، المشكلة الحقيقية أنه لم يتعلّم حتى الآن أن الفرق كبير بين دولة تملك قرارها، وجماعة تعيش على حافة القرار الإيراني، البيان الصادر عن قيادة القوات المشتركة للتحالف لم يكن مجرّد رد على تصريحات عابرة، كان تذكيراً بقاعدة سياسية وعسكرية يعرفها الحوثي، لكنه يتصرّف أحياناً كأنه نسيها: السعودية لا تبحث عن حرب جديدة، لكنها أيضاً لا تقبل أن يتحوّل ضبط النفس إلى سوء فهم.

في السنوات الماضية، تعمّد الحوثي أن يقدّم نفسه أكبر من حجمه، يريد أن يبدو دولة، وهو في الحقيقة سلطة أمر واقع. يريد أن يتحدث باسم اليمن، بينما ملايين اليمنيين لم يمنحوه هذا الحق. ويريد أن يصدّر أزماته إلى الخارج كلما ضاقت عليه صنعاء، واشتد الغضب الشعبي، وتفاقمت مشكلات الناس في مناطق سيطرته، وهنا تكمن عقدته الأساسية.

الحوثي لا يملك مشروع دولة يمكن أن يقنع به اليمنيين، لذلك يحتاج دائماً إلى معركة، يحتاج عدواً خارجياً يعلّق عليه فشله، وراية كبيرة يخفي خلفها التفاصيل الصغيرة والمؤلمة: رواتب غائبة، اقتصاد منهك، مجتمع مثقل بالخوف، وبلد تحوّلت مؤسساته إلى أدوات تعبئة وحشد. لهذا، كلما اقترب السؤال من الداخل اليمني، فتح الحوثي نافذة على الخارج. مرة نحو السعودية، ومرة نحو البحر الأحمر، ومرة تحت عنوان إقليمي أوسع. إنها الطريقة نفسها: الهروب من الحساب إلى الضجيج، لكن الضجيج لا يغيّر الجغرافيا.

السعودية هي الدولة الأكبر على حدود اليمن، والأكثر تأثراً بفوضاه، والأكثر مصلحة في استقراره. ولهذا فإن موقفها من الملف اليمني لا يمكن اختصاره في رغبة عسكرية أو خصومة مذهبية كما تحاول الدعاية الحوثية أن تقول. المملكة تريد جاراً مستقراً، لا منصة صواريخ. تريد دولة يمنية، لا ميليشيا فوق الدولة، وتريد أن تبقى الحدود مجالاً للتجارة والعلاقات الطبيعية، لا جبهة مفتوحة يقرر توقيتها طرف في طهران.

البيان الأخير جاء واضحاً في هذه النقطة، فالتصعيد الإعلامي الحوثي لم يُقرأ بوصفه شجاعة، بل محاولة لصرف الأنظار عن واقع صعب صنعته الجماعة بنفسها. وهذه قراءة منطقية. من يحتكر السلاح والقرار لا يستطيع إلى الأبد أن يلقي مسؤولية الجوع والانهيار على الآخرين.

الحوثي نجح في البقاء، نعم. وهذه حقيقة لا ينبغي إنكارها. لكنه لم ينجح في التحول إلى دولة. والبقاء شيء، والشرعية شيء آخر. السيطرة على مدينة لا تعني امتلاكها سياسياً، وإخضاع الناس لا يعني كسبهم، والخوف لا يصنع ولاءً دائماً، والأهم أن البحر الأحمر ليس مسرحاً محلياً يمكن لجماعة مسلحة أن تستخدمه متى شاءت ثم تتوقع أن يبقى العالم متفرجاً، العبث بالممرات التجارية لا يضر الخصوم وحدهم، بل يضاعف كلفة الحياة على اليمنيين أنفسهم، ويزيد عزلة المناطق التي يسيطر عليها الحوثي، كذلك فإن تحويل الموانئ والمطارات والبنى المدنية إلى أوراق صراع لا يبني نفوذاً دائماً؛ إنه يراكم الخسائر، ثم يترك السكان يدفعون الفاتورة.

ربما أخطر ما يواجه الجماعة اليوم هو أنها صدّقت صورتها التي صنعتها عن نفسها، ظنت أن قدرتها على الإزعاج تعني قدرتها على فرض المعادلات، وأن استهداف طرق الملاحة يمنحها مكانة دولية، وأن الصمت السعودي في بعض المراحل كان ضعفاً، لا اختياراً سياسياً محسوباً. وهذه حسابات خطرة. فالدول الكبيرة لا تتحرك دائماً عند أول استفزاز، لكنها حين تعتبر أن الخط الأحمر تم تجاوزه، تتغيّر اللغة. والبيان لم يترك مساحة واسعة للالتباس حين أكد أن أي مساس بأمن المملكة أو مواطنيها سيواجه بحزم وقوة. الرسالة هنا ليست دعوة إلى الحرب، بل منع لها، لأن الردع الحقيقي يبدأ عندما يعرف الطرف الآخر أن كلفة المغامرة أكبر من مكاسبها. ومع ذلك، لا أعتقد أن نهاية الحوثي ستأتي بضربة واحدة، ولا أن اليمن سيستعيد عافيته بقرار عسكري منفرد. الأزمة أعمق من ذلك. فالحوثي استفاد من انقسامات يمنية، ومن فراغ سياسي، ومن شبكة مصالح محلية وإقليمية. وأي حل حقيقي يحتاج إلى إعادة بناء الدولة اليمنية نفسها، لا مجرد كسر ذراع الميليشيا.

لكن هناك حقيقة لا تتغير: الحوثي لا يستطيع أن يبقى إلى الأبد حاكماً بالسلاح، ولا شريكاً بالتهديد، ولا وكيلاً في الخارج وحكومة في الداخل. أمامه طريقان فقط؛ إما أن يعود إلى اليمن بوصفه مكوّناً سياسياً يقبل الشراكة وقواعد الدولة، أو يواصل الهروب إلى الأمام حتى يجد نفسه محاصراً بنتائج خياراته.

المفارقة أن السعودية، التي يصوّرها الحوثي عدواً دائماً، كانت ولا تزال جزءاً أساسياً من أي فرصة حقيقية لإنقاذ اليمن من الفوضى. أما الجماعة، فكلما رفعت صوتها أكثر، كشفت خوفها أكثر. الحفرة التي دخلها الحوثي لم تعد سرّية. الجميع يراها الآن. والسؤال لم يعد: هل يستطيع الخروج؟ بل: هل يملك الشجاعة ليتوقف عن الحفر؟!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد