: آخر تحديث

البكاء على الوليّ والصمت على الرعيّة

2
1
1

هذا مقال لا يستذكر فقط لقمان سليم، لأن الأشخاص الذين يُقتلون بسبب مجاهرتهم بما لا يحتمله القتلة لا يعودون في كتابة إنشائية قصيرة. لكن هذه السردية تحاول أن تستعير من لغة لقمان ذلك الأسلوب الحاد، وهذه الضحكة التي لا تقهقه، وتلك السخرية التي كان يتميز بها، وهي أقلّ من قصيدة وأكثر من لائحة اتهام. لقمان الذي اغتيل في جنوب لبناني صارت أرضه موضعًا لتزاحم الاحتلالات: احتلال إيراني باسم "المقاومة"، واحتلال إسرائيلي تحت مسمى "الأمن"، وبينهما لبنان الذي لا يحمل سوى نعشه المؤجّل مواراته.

لمن أراد أن يفهم ما حلّ بحزب الله، لا بالنسبة إلى سلاحه فقط، بل لجهة جوهره، وصورته، وذمّته، لا يحتاج إلى خرائط الجبهات ولا إلى تقارير الاستخبارات ولا إلى بيانات "الغرفة" التي لا تنام إلا لتصحو على هزيمة جديدة. يكفيه أن ينظر إلى أولئك اللبنانيين الذين شدّوا الرحال إلى طهران ليقفوا عند قبر علي خامنئي، أو أمام نعشه، أو تحت صورته، كأنهم يؤدّون صلاة الغائب على ما تبقّى من استقلالهم الشخصي.

هناك، أمام هذا المشهد، لم يكن الدفن إيرانيًا فحسب؛ بل كان دفنًا لبنانيًا على حد سواء. دفن للحياء، ودفن للمفهوم، ودفن لتلك الكذبة القديمة التي تنادي بأن السلاح وُجد ليحمي الناس، فإذا بأبناء الجنوب يصبحون دروعًا بشرية للمفهوم والعقيدة، ثم شهود زور على انهيارهما. على ذمّة "المقاومة"، تُدمّر القرى كي تبقى الكرامة مستقيمة. وعلى ذمّة الصور الآتية من طهران، الكرامة نفسها تحتاج إلى تذكرة سفر وبدل إقامة ومكان مناسب للتباكي أمام عدسات الكاميرات.

البكاء طبيعي ولا شيء يعيبه. إنما العيب في مكان ذرف الدموع؛ والعيب في أن تسكب العين دموعها أمام الخامنئي، ولا تحرك ساكنًا في ميس الجبل. العيب في أن تفيض عند ضريح الوصيّ، وتجفّ أمام ركام البيوت والأرزاق. العيب في أن يصبح الحزن عابرًا للحدود حين يكون السيّد إيرانيًا؛ ومحليًا، يتقلص الحزن ويؤجَل، ويُحرّم على الضحايا اللبنانيين.

لقد بكى بعضهم في العلن، يا لها من نعمة عظيمة. أخيرًا، اكتشف المحور وظيفة الغدد الدمعية؛ غير أن السؤال البسيط، البذيء في بساطته، هو الآتي: أين كانت هذه الدموع حين نزح أكثر من مليون ونصف مليون لبناني عن بيوتهم وقراهم؟ أين كان هذا السيل من الدمع حين تحوّلت العائلات إلى حقائب، والبيوت إلى غبار، والجنوب إلى خارطة مناطق محظورة؟ أين كانت دموعهم حين صار اللبناني الشيعي، مرة أخرى، مادة خامًا في صناعة "الشهادة"، لا إنسانًا يملك منزلًا وينعم بذكريات وشجرة تين ونافذة تطل على حياة أقلّ بطولية وأكثر احتمالًا؟

ليس النزوح رقمًا. الرقم، في لبنان، حيلة من حيل الوقاحة. مليون ونصف مليون لا تعني مليونًا ونصف مليون فقط. تعني مليونًا ونصف مليون مفتاح بلا باب، ومليونًا ونصف مليون ذكرى بلا مكان، ومليونًا ونصف مليون مواطن قيل لهم إنهم "بيئة المقاومة"، ثم اكتشفوا، متأخرين كالعادة، أن البيئة في قاموس الحزب ليست بشرًا، بل تضاريس قابلة للاشتعال.

أما القرى، تلك القرى التي استُعملت طويلًا كديكور أخلاقي في خطابات التحرير، فقد تُركت لمصيرها. الحجر لا يصوّت، والجدار لا يعترض، والحقل لا يكتب بيانًا. لذلك يمكن تدميرها ثم الحديث باسمها. يمكن تهجير أهلها ثم شكرهم على صبرهم. يمكن تحويل خرائبها إلى مادة بصرية في فيديوهات التعبئة، ثم مطالبة النازحين بالتصفيق لأن الهزيمة لم تُعلن رسميًا بعد.

في طهران، كان الحزن منظّمًا. والحزن المنظّم، في عرف الأنظمة، قريب من الاستعراض العسكري. كل شيء في مكانه: الوفود، الوجوه، الرايات، العبارات، الصور، النشيج، وتراتبية القرب من النعش. حتى الدمع بدا منضبطًا بإيقاع المحور. أمّا في لبنان، فالفوضى وحدها صادقة: أمّ تبحث عن رفاة ولدها، ورجل يبحث عن معالم بيته، وطفل يتعلّم أن الوطن ليس مكانًا بل خبر عاجل، وقرية لا ندري هل ستعود قرية جنوبية أم ستُدرج في الملحق الأمني لاتفاق ما.

ومن علامات الساعة السياسية أن يصير "الوفاء للدم" مهنة لا موقفًا. الوفاء للدم، كما كان لقمان ليقول على الأرجح، اسم آخر من أسماء الابتزاز حين يتحوّل الدم إلى سند قبض. دماء اللبنانيين تُستعمل عند الحاجة، وتُهمل عند الحرج، وتُباع في السوق الإقليمية كلّما ارتفع سعر الممانعة. أما دم الوليّ، أو صورته، أو قبره، فله طقوس أخرى. وتُخصص له وفود وأناشيد؛ والدموع التي تسيل على قبره هي ذات جودة تصديرية.

هؤلاء الذين وقفوا عند القبر لم يكونوا يعزّون إيران وحدها. كانوا يعتذرون منها لأن لبنان لم يمت كما يجب. كانوا يقولون لها، بأجسادهم ووجوههم ودموعهم، إن الخراب الذي أصاب الجنوب لا يغيّر في الولاء شيئًا، وإن البيوت التي سقطت ليست أكثر من أضرار جانبية في سيرة الوليّ، وإن الناس الذين تهجّروا يستطيعون الانتظار، لأن الأولوية، دائمًا، لدفن السيد لا لإيواء الرعيّة.

والحق أن المشهد لا يحتاج إلى كثير من التحليل. في السياسة اللبنانية، البعرة تدلّ على البعير، والدمعة تدلّ على صاحبها. من يبكي في طهران ولا يبكي في الطيبة، من ينحني أمام قبر خامنئي ولا ينحني أمام امرأة فقدت بيتها، من يرفع راية "الوفاء" فوق ركام لا يملكه، لا يحتاج إلى خصوم، يكفيه وجهه.

ذهبوا إلى القبر ليبكوا الوليّ، وتركوا وراءهم قرى لا تجد من يرثيها، وناسًا لا يجدون من يسأل عنهم، وبيوتًا لا تزال تنتظر دمعة واحدة لا تمرّ عبر طهران. والحق أن بعض الدموع لا تغسل الوجه؛ بعضها يفضحه.

ليس في الأمر عزاء فحسب؛ في الأمر شهادة وفاة. فحين يبكي اللبناني عند قبر خامنئي أكثر ممّا بكى عند ركام قريته، لا يكون قد ودّع مرشدًا، بل يكون قد وارى ذمّته في التراب.

عن صديقتي الشريرة (بتصرف)

ومن مَكْرِ التاريخ، أو من صُدَفِه الشرّيرة، أن يتحوّل دفن خامنئي إلى تمرين لبناني على دفن لبنان مرة أخرى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.