: آخر تحديث

ما الذي سيتغير في الخليج بعد الحرب؟

4
3
3

لم تعد معادلات الشرق الأوسط تحتمل القراءات التبسيطية؛ فالمنطقة تقف اليوم في عين عاصفة تؤججها قوتان يجمعهما السلوك المارق والخروج عن القواعد الدولية: إسرائيل وإيران.

وفي غمرة هذا المأزق المزدوج، تبدو السياسة الأميركية عاجزة عن صياغة حل حقيقي؛ إذ تنحاز واشنطن بشكل أعمى لتل أبيب وتمنحها حق التغوّل، وفي المقابل، تعجز بأدواتها العسكرية وفوقيتها عن احتواء طهران أو تحجيم نفوذها.

هذا العجز والاضطراب الأميركي، الذي حاولت إدارة ترامب التغطية عليه سابقًا عبر هندسات سياسية فوقية مثل "الاتفاقيات الإبراهيمية"، أثبت المحك الفعلي والحرب الأخيرة أنه قاد المنطقة إلى جدار مسدود، وأن الرهانات الأمنية الأحادية ولدت ميتة أمام حقائق الأرض والوعي الشعبي.

وفي المقابل، فإن الحكومات العربية، لا سيما لدى دول الخليج العربي وفي مقدمتها السعودية التي تمسكت بمواقفها الأصيلة ولم تنخرط في مسارات التطبيع، تبدي رفضًا قاطعًا لهذه "العربدة" الإسرائيلية وللانحياز الأميركي الأعمى الذي لا يفعل شيئًا سوى إشعال المزيد من الحرائق في جغرافيا مثقلة بالأزمات.

المعضلة الأساسية في السلوك الأميركي تكمن في وهم القدرة على فرض "وصاية أمنية أحادية" على الشرق الأوسط، وتجاوز إرادة الحلفاء الحقيقيين وشراكتهم. وجاءت الحرب الأخيرة لتضع الجميع أمام مرآة الحقيقة العارية؛ فبالرغم من كل الوعود والشعارات الكبرى التي رُفعت حول "تغيير النظام الإيراني"، و"طمس القدرات العسكرية"، وحسم "الملف النووي"، انتهت المعارك دون تحقيق أي من هذه الأهداف. بل على العكس تمامًا، تمددت خيوط الأزمة لتخنق شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز، مما هدد بشكل مباشر إمدادات الطاقة الدولية من نفط وغاز.

وسط هذا الركام، كانت دول الخليج تقدم نموذجًا مغايرًا؛ نموذجًا يؤمن بالحلول الدبلوماسية، ويبتعد عن سياسات حافة الهاوية، رغبة منها في حماية وتنمية مشاريعها الاقتصادية الصاعدة وصياغة مستقبل زاهر لشعوبها واستقرار المنطقة. لكن هذا الإصرار الأميركي على التصعيد بات يثير في العواصم الخليجية أسئلة مشروعة وأكثر عمقًا من تفاصيل الحرب الحالية: هل ثمة نوايا مبيتة لإعادة المنطقة إلى مربع الحروب المستدامة؟ هل المستهدف الحقيقي هو كبح جماح الصعود الاقتصادي الخليجي الملهم؟ أم أن الأمر لا يتعدى كونه محاولة لضرب التمدد الروسي والصيني المتنامي، وإحراج هذين القطبين أمام دول المنطقة؟

ولم يتوقف صدى هذه الإخفاقات عند حدود المنطقة، بل تردد بقوة داخل أروقة واشنطن نفسها؛ حيث أدركت المؤسستان السياسية والعسكرية الأميركيتان فداحة المغامرة التي قادتها إدارة ترامب. فبدلًا من صون المصالح الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة، عمّقت تلك السياسات الفجوة والتوتر مع الشركاء الإقليميين، وهو ما أجبر حلفاء واشنطن التقليديين على تعزيز وترسيخ خيارات الشراكة الدولية وتقوية علاقاتهم مع أقطاب عالميين آخرين.

هذا المأزق دفع بالمؤسسات العميقة في أميركا، جنبًا إلى جنب مع الآلة الإعلامية، إلى الدخول في مواجهة شرسة وضارية مع نهج ترامب، الذي أدخل البلاد في دهاليز مظلمة وأحرج صورتها أمام الرأي العام العالمي، مظهرًا واشنطن وكأنها تتبنى مصالح إسرائيل أولًا، وعلى حساب القوانين الدولية واحترام سيادة الدول واستقرارها الأمني.

ومع ذلك، فإن دول المنطقة وفي مقدمتها دول الخليج، تنطلق من قراءة واقعية تدرك من خلالها أن العلاقة مع الولايات المتحدة تظل علاقة استراتيجية ومهمة؛ غير أن انحراف هذه العلاقة بضغط من واشنطن نحو تغليب مصالح ضيقة تضر باستقرار المنطقة، لن يواجه بالانكفاء والصمت الدائم بعد اليوم.

لقد تجاوز العقل السياسي الخليجي مرحلة الانتظار، وبات يعمل بفاعلية على حماية مصالحه الحيوية عبر فرض واقع جديد على الساحة الدولية؛ واقع يجبر الإدارات الأميركية على التعامل بمسؤولية أكبر تجاه قضايا المنطقة، ويضع حدًا لزمن الانحياز الأعمى، أو التعاطي بفوقية ومنطق الوصاية مع قضايا المنطقة.

ولهذا، فإن واشنطن التي دخلت المشهد بلغة الكاوبوي "رعاة البقر" ونبرة العسكر الفوقية، وجدت نفسها محاصرة في واقع جيوسياسي جديد صاغته عواصم المنطقة التي تمسكت بنديتها السياسية ورفضت التبعية الأمنية أو مقايضة مصالحها الاستراتيجية بالانحياز الأعمى لتل أبيب والمغامرات المتهورة.

الأكيد اليوم، أن غبار هذه الحرب عندما ينقشع، سيكشف عن حقيقة واحدة: شرق أوسط جديد يتشكل، ولن تعود علاقاته مع الولايات المتحدة وفق الشروط والمسلمات القديمة، بل وفق قواعد اشتباك جديدة يكتب الإقليم هذه المرة جزءًا كبيرًا من فصولها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.