: آخر تحديث

نرجسية المركز الثاني

3
3
4

في الأسطورة الإغريقية، عاقبتِ الآلهة شابّاً جميلَ الصُّورة عازفاً عن محبَّة الآخرين؛ بأن جعلته يرَى صورتَه على صفحة الماء فيقع في غرامها.

جدير بالانتباه أنَّ نرسيس كان جميلَ الصورة حقاً، ووقع في غرام ذاته. وهذا يختلف عن اضطرابِ الشَّخصية النَّرجسية الموصوف في بعض مدارس علم النفس، حيث المريضُ يحمل في الأساس ذاتاً هشة مهزومة تشعر بالخجل من حالها، لكنَّه يغطيها بذاتٍ متغطرسة تقدم نفسَها بإعجاب زائف. أي أنَّه يستعير شخصية الأسطورة لتغطية شخصيته الحقيقية، وهي آلية يمكن أن تطورَها المجتمعاتُ أيضاً لإخفاء شعورها بالهزيمة والفشل.

أمَّا ما يتشابه فيه اضطراب الشخصية النرجسية مع الأسطورة، فهو العزوفُ عن الإعجاب بالآخرين، والقصورُ عن تقديرهم بما يستحقون. يتشابهان أيضاً في «الثغرة الدرامية الإغريقية»؛ حيث تتطور ثغرة تبدو بسيطة في شخصية البطل، وتتعاظمُ لتصنعَ مصيرَه.

والتشجيعُ الكروي مجالٌ شيّقٌ لملاحظة هذه الظاهرة في حالتها المجتمعية، وذلك لأسبابٍ تجعله مثاليّاً لهذا الغرض. فهو يتمتَّعُ بحرية التعبير، حتى في أكثر المجتمعات استبداداً. وبالتالي يعبر بلا رقابة عن طريقة تفكير الجماعة.

كما أنَّ مجتمعَ التشجيع الكروي يصنع ما يشبه طائفة تتشارك الأفراحُ والأحزانُ والطموحات، وتتبادل تحليلاتُ الإخفاقِ وتتجادل حولها. فما ينتج عنه يدل على تفاعل شعوري وعقلي أيضاً.

وهو عينة واسعة. فيه جمهورٌ ولاعبون وإداريون وقادة، كلّهم اختاروه بطريقة حرة، ولكل منهم دورٌ وتأثيرٌ وإسهامٌ في المحصلة.

أمَّا أهمُّ ما يجعل مجتمع التشجيع الكروي مثاليّاً لفهم ذهنية الجماعات، فهوَ أنَّ نتائجَ الفريق حاضرة، عياناً بياناً؛ ما يجعل منجزاته وإخفاقاته ممكنة القياس، ومطلوب منه التفاعل معها في مختلف أحوالها. إنِ استطاعت الجماعة أن تصطنعَ حيلاً لتبرير الإخفاق وادعاء الأحقية في مجال التشجيع الكروي، لا سيما إن تحوّل هذا إلى سلوك متكرر لصيقٍ بها، فلك أن تتخيَّلَ ما يمكن أن تفعلَه في مجال جدلي كالسياسة أو الإنتاج الثقافي والحضاري.

من أبرز ظواهر مجتمعات التشجيع الكروي ما يمكن أن نسميَه «نرجسية المركز الثاني». لدينا هنا كيانٌ دخل منافسة، ولم يكن الفوز بعيداً عنه، لكنَّه لم ينله. وبدل أن ينظرَ في الأسباب الموضوعية ويطمحَ إلى تحسين فرصه، يسوق المبررات التآمرية، ويلعب دورَ الضحية. يعزف عن تقدير البطل، ويصرُّ على سرقة الأضواء منه وتحويل نفسه إلى محور الحدث.

قد يحدث هذا السلوك كردِّ فعل دفاعي طارئ للتعامل مع الصدمة. لكن إن لم يتجاوزه فسيقلل فرصَ فوزه المرة المقبلة. فإن كرَّرَ السلوكَ نفسَه دخل بقدميه إلى «الثغرة الدرامية الإغريقية»، وصار هذا السّلوكُ اللعنة الداخلية التي تصنع مصيرَه. يتحوَّل من مجرد رد فعلٍ لحظي إلى ذاتٍ ظاهرية «persona» يُخفي بها تراجعَ الثقة بالنفس وتراجعَ الثقة في القدرة على الإنجاز.

نرجسية المركز الثاني تختلف عن غيرها من دفاعات المهزوم. كلاهما قد يطور شخصية تدميرية هدامة. لكن الفارق أنَّ نرجسية المركز الثاني لا تريد هدم المنظومة بكاملها، وإنِ ادعت ذلك؛ فهي جزءٌ منها. بل تريد أن تضغطَ على المنظومة لتدمير المتفوق أو تقليص قدراته. ترفع شعارات مختلفة في السياسة وفي التعليم وفي الرياضة، تتَّفق جميعُها في أنَّها لا تسعى إلى رفع مستوى الأضعف، بل إلى شدّ المتفوق إلى أسفل، وإعادة كتابة الشروط، والرغبة في البدء من الصفر، مرة بعد مرة بعد مرة.

ونرجسية المركز الثاني تبالغ في تصدير الإحباط، لكنَّها في الواقع حاضرة الأمل، لأنَّ الجائزة لا تزال في مرمى عينيها. ما يجعلها مغناطيساً لفئة واسعة من الطامحين غير المتحققين، أو المحبطين، الذين يعيشون في أسطورتها أسطورتهم.

من مصلحة أي كيان أن يجدَ في نفسه القدرة على الإعجاب بالآخرين وتقدير ما يفعلونه. إن لم يجد فليوجد. إن لم يكن طبعَه فليتطبع. قبل أن تتملَّكَه صورتُه كما فعلت مع نرسيس أو تسلب روحَه كما فعلت مع دوريان غراي في خيال أوسكار وايلد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد