: آخر تحديث

«7Dogs».. حين يصبح الإنسان والمكان استثمارًا

2
3
3

لستُ ممن ينظرون إلى السينما باعتبارها وسيلة للترفيه فقط، فمنذ سنوات تناولت هذا القطاع في أكثر من مقال، عندما كانت فكرة وجود صناعة سينمائية رسمية في المملكة لا تزال بعيدة عن الواقع، وقبل أن تتحول إلى قطاع متكامل كما نراه اليوم، ثم جاء مقالي «خطر السينما» عام 2019 ليؤكد قناعتي بأن السينما ليست مجرد شباك تذاكر، بل اقتصاد، واستثمار، وصناعة للمستقبل.

واليوم، مع فيلم 7Dogs، تبدو هذه القناعة أكثر وضوحًا، فالحديث عن الفيلم لا ينبغي أن يتوقف عند ميزانيته التي تجاوزت 40 مليون دولار، أو عند مبيعات التذاكر الكبيرة التي حققها في أكثر من سوق، فهي أرقام تستحق التوقف عندها، لكنها ليست الأهم، لأن قيمة الفيلم لا تبدأ وتنتهي عند قاعة العرض، بل تمتد إلى ما يخلقه من حركة اقتصادية، وصورة ذهنية، وخبرة بشرية، وفرص مستقبلية.

فكل إنتاج سينمائي بهذا الحجم يحرك منظومة كاملة، استوديوهات، وفنادق، ونقل، وخدمات مساندة، وتقنيات، ومطاعم، وكفاءات وطنية تعمل، وتتعلم، وتكتسب الخبرة من خلال الاحتكاك المباشر بصناعة عالمية. لذلك فإن ميزانية الفيلم ليست مجرد تكلفة إنتاج، بل بداية دورة اقتصادية تستفيد منها قطاعات متعددة، بعضها يظهر في الأرقام المباشرة، وبعضها لا يظهر إلا بعد سنوات.

هذه الفكرة ليست نظرية، بل أثبتتها تجارب عالمية عديدة، فعندما صُورت أفلام سيد الخواتم في نيوزيلندا، لم تكن النتيجة نجاحًا سينمائيًا فقط، بل تحولت مواقع التصوير إلى وجهات سياحية عالمية، وارتبط اسم الدولة في ذاكرة الملايين بتلك المشاهد، لتصبح السينما بابًا لعائد سياحي مستمر لا ينتهي بانتهاء عرض الفيلم.

وفي بريطانيا، لم تتوقف تجربة هاري بوتر عند نجاح الأفلام، بل تحولت إلى اقتصاد قائم بذاته، استوديوهات تستقبل الزوار، وجولات سياحية، ومتاجر، وتجارب ترفيهية، ما جعل العمل السينمائي يتحول إلى منتج اقتصادي طويل العمر، يبيع التجربة، والذاكرة، والمكان، وليس الفيلم فقط.

وهنا يمكن فهم أهمية 7Dogs من زاوية أبعد من مبيعات التذاكر، فالرياض لم تظهر في الفيلم بوصفها موقع تصوير فقط، بل ظهرت كمدينة قادرة على أداء أدوار بصرية متعددة، وتقديم بيئة إنتاج تستوعب أعمالًا كبيرة، وهذه رسالة عملية لصناع السينما في العالم، بأن المملكة لم تعد سوقًا تستقبل الأفلام، بل بيئة قادرة على صناعتها واستضافتها. القيمة الإعلامية لمثل هذا الحضور لا يمكن قياسها بسهولة، (فمشهد واحد في فيلم واسع الانتشار قد يصنع أثرًا لا تصنعه حملة دعائية مباشرة)، فالجمهور يتذكر المدن من خلال القصص أكثر مما يتذكرها من خلال الإعلانات، ولذلك تتحول السينما أحيانًا إلى نافذة تسويقية للدول والمدن، وإلى أداة من أدوات بناء الصورة الذهنية. وبرأيي، يبقى الإنسان هو العائد الأكبر في هذه التجربة، فكل إنتاج بهذا الحجم لا يترك وراءه فيلمًا فقط، بل يترك خبرة، وينقل معرفة، ويمنح الشباب السعودي فرصة للتعلم من داخل الصناعة لا من خارجها، وهذا هو الاستثمار الأطول عمرًا، لأنه لا يرتبط بفيلم واحد، بل ببناء قطاع كامل يمكن أن يقوده السعوديون مستقبلًا. لذلك، فإن السؤال المهم هنا ليس، كم حقق 7Dogs من مبيعات؟ بل، كم مشروعًا سيأتي بعده؟ وكم موهبة سعودية سيصنعها؟ وكم فرصة عمل سيخلقها؟ وكم سيضيف إلى صورة المملكة كوجهة للإنتاج والاستثمار والإبداع؟، وهنا يبدأ العائد الحقيقي، العائد الذي لا تصنعه مبيعات التذاكر وحدها، ومن هذا المنطلق، وبكل صدق يستحق معالي المستشار تركي آل الشيخ الشكر، لأنه لم يتعامل مع هذا المشروع بوصفه فيلمًا سينمائيًا فقط، بل بوصفه استثمارًا في الإنسان السعودي، والمكان، ولكونه أيضاً مستقبل صناعة سينمائية تحمل للمملكة عوائد اقتصادية، وسياحية، وثقافية، تمتد إلى ما هو أبعد من شاشة السينما.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد