: آخر تحديث

تجفيف هرمز... وكيف يستهلك سلاحُ الجغرافيا نفسَه

0
0
0

 

اليوم، ثمة طريقتان لقراءة ما يجري حول مضيق هرمز. الأولى مألوفة، وهي أن المضيق ممر حيوي كان يعبره قبل الحرب نحو خُمس نفط العالم وغازه المسال، وأن التوترات تجعل هذا العنق الضيق عرضة لارتفاع كلفة التأمين وتعطُّل حركة الناقلات. أما الثانية، وهي الأهم على المدى الطويل، فتتمثل في صراع بين منطقين استراتيجيين متعارضين. فمن جهة، يوجد منطق إيراني يستثمر في قابلية الموقع الجغرافي للتهديد، ويسعى إلى تعظيم عائده السياسي، ومن جهة أخرى يعمل منطق خليجي بهدوء، وعلى مدى سنوات، على تجريد هذا الموقع من قيمته الابتزازية عبر إعادة توزيع تدفقات التجارة والطاقة على شبكة أوسع من البدائل. في هذه القراءة الثانية، لم يعد السؤال الحقيقي كيف نحمي الملاحة داخل المضيق فحسب، بل هل يبقى هرمز نقطة اختناق تمنح طهران ورقة ضغط هيكلية، أم يتحول تدريجياً إلى ممر مهم، لكنه غير حاسم في معادلة التجارة الإقليمية؟

تصريحات محمد باقر قاليباف الأخيرة تختصر المعضلة الإيرانية من داخلها. فرئيس البرلمان، الذي لوّح في ذروة التصعيد بأن المضيق لن يبقى مفتوحاً إذا استمر الحصار، يتحدث اليوم بلغة مختلفة، ويطرح ما يسميه "حقاً سيادياً" لإيران بوصفها الدولة الساحلية، ويدعو إلى تقاضي مبالغ مقابل خدمات تقدمها للسفن العابرة، ثم يقر بأن هرمز لن يعود لما كان عليه سابقاً. بين هذه المواقف المتقلبة تكمن مفارقة لا تخفى على طهران نفسها، ذلك أن قيمة المضيق بالنسبة إليها مشروطة باستمرار مرور الآخرين منه. فإذا دفعت الرسوم والتهديدات دول الخليج إلى تسريع مشاريعها الرامية إلى تقليل الاعتماد على المضيق، فقد تبخرت الورقة ذاتها.

على الضفة المقابلة، يبدو السلوك الإماراتي تحديداً نموذجاً لاستجابة طويلة النفس، لا مجرد إدارة ظرفية للمخاطر. فقد صرّح وزير دولة الإمارات للتجارة الخارجية ثاني الزيودي بأن بلاده تتحرك نحو الاعتماد بنسبة صفر في المئة على مضيق هرمز، بغض النظر عما إذا كان الممر مفتوحاً أم لا، وهذا كلام يتجاوز خطاب التنويع المعتاد إلى إعلان مبدأ يقوم على استقلال خطوط التجارة والطاقة عن إرادة الغير، ويعكس فهماً خليجياً متقدماً لفكرة الاستقلال الاستراتيجي في المجالين البحري واللوجستي. ومفهوم "صفر اعتماد" هنا لا يعني هجر المضيق غداً، بل بناء بنية تحتية ومرونة لوجستية تجعل المرور منه خياراً لا قيداً. والفارق كبير بين دولة تملك خيار الالتفاف، ودولة يظل الممر بالنسبة إليها الطريق الإلزامي الوحيد، مهما كان ثمنه السياسي والأمني.

وسرعان ما تُرجم هذا المبدأ إلى خطوات عملية في الساحل الشرقي للإمارات. فخط حبشان–الفجيرة القائم، بطاقة تقارب 1.5 مليون برميل يومياً، أثبت خلال أشهر تعطُّل الملاحة أنه شريان حياة فعلي لصادرات الخام بعيداً عن هرمز. وفي مايو الماضي، أعلنت أبوظبي تسريع إنشاء خط أنابيب ثانٍ، غرب–شرق 1، يتوقع تشغيله عام 2027، بما يضاعف الطاقة التصديرية لأدنوك عبر ميناء الفجيرة. وتُدرس، إلى جانب ذلك، خيارات لخطوط إضافية لنقل المشتقات والبتروكيماويات من المنافذ نفسها. ويتزامن كل ذلك مع توسعة موانئ دبا والفجيرة وخورفكان، ودراسة إنشاء ميناء جديد على ساحل خليج عُمان، وربط هذه المراكز بشبكات السكك الحديدية والطرق البرية داخل الدولة. وبالتالي، فلا يُبنى أنبوب واحد فحسب، بل تُبنى بوابة بحرية كاملة خارج نطاق نقطة الاختناق المحتملة في المضيق، تُعيد توجيه جزء متزايد من صادرات الطاقة والتجارة بعيداً عن مرمى التهديد المباشر.

أما الكلفة المالية فلم تُحسم نهائياً، إذ يؤكد المسؤولون الإماراتيون أن المشروعات ما تزال في مرحلة دراسات الجدوى، وستتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، غير أن تبرير هذا الإنفاق يصبح أكثر سهولة كلما لوّحت طهران بإغلاق المضيق أو تعطيله أو فرض ترتيبات مرور تقييدية فيه.

البعد الأوسع لهذه الاستراتيجية الاستقلالية ليس هندسياً ولوجستياً فحسب، بل يتعلق بإعادة تشكيل شبكة المصالح الإقليمية. فعندما ترتبط منافذ الساحل الشرقي بممرات برية إقليمية قيد التطوير، تمتد عبر العراق نحو تركيا وبلاد الشام، وبمشروعات موانئ يشارك فيها شركاء إقليميون، يتجاوز الأمر فكرة "البديل الإماراتي" إلى بناء كتلة مصالح تتقاطع عند هدف واحد، هو تقليص مركزية هرمز في منظومة التجارة والطاقة. عندها يتحول مشروع فك الارتباط من خيار وطني دفاعي إلى بنية إقليمية مشتركة، يصبح تعطيلها أكثر كلفة سياسياً واقتصادياً على عدد أكبر من الفاعلين، ويغدو أمن التدفقات عبر البدائل الجديدة مسؤولية جماعية، لا عبئاً على دولة واحدة.

مع ذلك، تحتفظ الصورة بحدودها الموضوعية. فمشروع تقليل الاعتماد على مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه بين ليلة وضحاها، وإنما بناء شبكة متكاملة من الموانئ وخطوط الأنابيب والطرق البرية والسكك الحديدية، تجعل استمرار التجارة والصادرات أقل ارتباطاً بمسار واحد. وفي هذا الإطار، سيبقى ميناء جبل علي أحد أهم مراكز التجارة العالمية، لكن دوره سيتعزز من خلال اندماجه في منظومة لوجستية وطنية أكثر تنوعاً ومرونة، تربط بين موانئ الساحلين الشرقي والغربي، وتوفر مسارات متعددة لحركة البضائع والطاقة، بما يقلل تدريجياً من أثر أي اضطراب قد يصيب الملاحة عبر مضيق هرمز. ولهذا تواصل الإمارات الدعوة إلى إبقاء المضيق مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، وترفض في الوقت نفسه أي محاولة لفرض رسوم عبور أو تحويله إلى أداة جباية سياسية أو اقتصادية.

في الخلفية، تتحرك إيران ضمن عقيدة بحرية تجعل من هرمز محوراً لانتشار الحرس الثوري، وتوظيف الجزر المشرفة على الممر، وبناء شبكة من القواعد الساحلية والقوارب السريعة والألغام البحرية. والهدف هو تحويل المضيق إلى فضاء ردعي عالي الكثافة يمكن تشغيله عند الحاجة. هذا الاستثمار في أدوات السيطرة والتعطيل كان يُفترض أن يرفع كلفة أي محاولة لتجاوز المضيق أو تحييده، لكنه يواجه اليوم معضلة جديدة. فكل دولار يُنفق على تعظيم القدرة على تهديد المضيق يقابله، في الجهة الأخرى، دولار يُنفق على تقليص قيمته الاستراتيجية، عبر أنابيب وموانئ وشبكات ربط تتفتح تدريجياً خارج مداه المباشر.

وهنا تكتمل المفارقة. فكل تهديد إيراني جديد للمضيق، وكل إشارة إلى رسوم أو تقييد أو تعطيل، يسرّع الاستثمار في الالتفاف عليه؛ السلاح يستهلك نفسه بالاستخدام. وحين تبلغ مشاريع التنويع الخليجية مستوى كافياً من النضج، ينقلب هرمز من أصل يرفع كلفة الضغط على إيران إلى نقطة انكشاف لها هي ذاتها، ما دامت صادراتها ووارداتها أكثر التصاقاً به من جيرانها. وما يجري اليوم لا يعني إلغاء الأهمية الفيزيائية للمضيق، وإنما تطبيق سياسة إفقار جيوسياسي متدرج له، عبر تقليص قابليته للتحول إلى أداة ابتزاز أحادية. ويُقاس نجاح هذه السياسة، في النهاية، بقدرة المنطقة على الانتقال من التمركز حول نقطة اختناق واحدة إلى شبكة مرنة متعددة المسارات، وهو تحول يخفض، بمرور الوقت، العائد الاستراتيجي للتهديد نفسه، ويجبر العقيدة البحرية الإيرانية على إعادة حساباتها في بيئة لم يعد فيها هرمز الورقة الوحيدة ولا الأثقل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.