منذ أكثر من أسبوع أعلن رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر، عزمه التنحي عن زعامة حزب الأغلبية، بالتالي رئاسة الوزارة. لكنَّه ما زال يقود الحكومة، ويتخذ قرارات استراتيجية كبرى، ويستعد لتمثيل بلاده الأسبوع المقبل في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). وهنا يبرز سؤال قد يبدو غريباً للقارئ: من يحكم بريطانيا فعلياً خلال هذه المرحلة الانتقالية؟
الإجابة الدستورية تبدو بسيطة. النظام البريطاني يقضي بأن يظل رئيس الوزراء يمارس كامل صلاحياته حتى يقدم استقالته رسمياً للملك. وحتى يُعيّن رئيس جديد للحكومة لا يتوقف عمل مؤسسات الدولة، ولا تدخل البلاد في فراغ دستوري.
لكن الواقع السياسي أكثر تعقيداً من النصوص الدستورية، إذ تعيش بريطانيا مرحلة انتقال سياسي يتابعها الحلفاء والأسواق المالية ومؤسسات الدولة باهتمام.
ففي وستمنستر، كما في الأسواق المالية والعواصم الغربية، بدأ الاهتمام يتجه تدريجياً إلى الرجل المتوقع أن يخلف ستارمر، عمدة مانشستر آندي برنهام. وهكذا تنشأ ظاهرة مألوفة في الحياة السياسية البريطانية، وهي أن السلطة السياسية تبدأ في الانتقال قبل أن تنتقل السلطة الدستورية رسمياً.
وتبرز هنا خصوصية النظام البريطاني. فالوزراء ورئيس الحكومة شخصيات سياسية تتغير بتبدل الحكومة، أما موظفو الدولة، من كبار المسؤولين إلى الموظفين الإداريين، فهم أعضاء في الخدمة المدنية الدائمة، ويعملون في خدمة التاج، أي الدولة البريطانية، وليس في خدمة الحزب الحاكم أو رئيس الوزراء. ولذلك تستمر مؤسسات الدولة في أداء أعمالها اليومية... ظهر ذلك في منصب سكرتير مجلس الوزراء ورئيس الخدمة المدنية، وهو أعلى موظف دائم في الدولة، ويشغله حالياً السير سايمون كيس، الذي عمل مع أربعة رؤساء وزراء، وقد يعمل مع خامس إذا تولى برنهام رئاسة الحكومة. فالمنصب لا يتغير بتغير الحكومة، بينما يتغير الوزراء ومستشاروهم السياسيون.
غير أن المرحلة الحالية تختلف عن كثير من عمليات انتقال السلطة السابقة.
فالحكومة الحالية لا تكتفي بإدارة الأعمال اليومية، بل تتخذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى، في مقدمتها زيادة الإنفاق الدفاعي، استعداداً لقمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأسبوع المقبل، وهي قرارات ستظل آثارها المالية والسياسية قائمة لسنوات، وربما تتجاوز عمر الحكومة الحالية نفسها.
وهنا بدأ صحافيو وستمنستر يطرحون سؤالاً بسيطاً، لكنه بالغ الأهمية: هل جرت مناقشة هذه الالتزامات مع آندي برنهام، الذي يتوقع كثيرون أن يتولى رئاسة الحكومة خلال أسابيع؟
ففي جلسة مساءلة رئيس الوزراء، كما في الإحاطات الصحافية اليومية في مقر رئاسة الحكومة، تجنب ستارمر ومتحدثه الرسمي تأكيد أو نفي ما إذا كانت هذه القرارات قد نوقشت مع الزعيم المرجح أن يتولى رئاسة الحكومة.
ولا يعني ذلك وجود أزمة دستورية، فالقانون لا يلزم رئيس الوزراء بإطلاع خلفه المتوقع على قراراته أو التشاور معه. لكن السؤال هنا سياسي أكثر من كونه قانونياً، لأن الحلفاء والأسواق المالية وكبار موظفي الدولة يريدون أن يعرفوا ما إذا كانت الالتزامات التي تعلنها الحكومة اليوم ستبقى هي نفسها بعد انتقال السلطة.
ولهذا ظل السؤال في وستمنستر ما إذا كانت القرارات التي تتخذها الحكومة الحالية تعكس بالفعل التوجه الذي ستسير عليه الحكومة المقبلة.
وبعد أيام من التكهنات، خرج آندي برنهام عن صمته مع إذاعة «إل بي سي»، وهي أول مقابلة يجيب فيها عن أسئلة مباشرة منذ إعلانه عزمه الترشح لقيادة حزب العمال. ففي خطابه الأول الذي أعلن فيه تحديه لستارمر، اكتفى بإلقاء كلمته وغادر من دون عقد مؤتمر صحافي أو الرد على أسئلة الصحافيين.
ولأن الخطب السياسية تسمح للزعيم بأن يقول ما يريد، فإن المقابلات الصحافية تجبره على الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الآخرون.
ففي مقابلة «إل بي سي» أكد برنهام التزامه الإطار العام لبرنامج حزب العمال الانتخابي لعام 2024، وبالتزامات بريطانيا الدفاعية والدولية، كما شدد على أهمية الانضباط المالي. غير أن هذه التصريحات، على أهميتها، لم تحسم الجدل الدائر في وستمنستر، لأنها لم تجب عن السؤال الأساسي: هل أصبحت القرارات الاستراتيجية التي تتخذها الحكومة الحالية تعبر أيضاً عن سياسة الحكومة التي يتوقع أن يخلفها؟
ويبقى سؤال آخر: هل تكفي الإحالة إلى برنامج حزب العمال الانتخابي لعام 2024؟ فالبرنامج وضع قبل أشهر في ظروف سياسية مختلفة، وجاء عاماً أكثر منه تفصيلياً، بينما أصبحت ملفات مثل الدفاع والهجرة والعلاقات مع الولايات المتحدة أكثر إلحاحاً. ولذلك فإن التمسك به، على أهميته، لا يكفي وحده للإجابة عن الأسئلة التي تطرحها الأسواق المالية وحلفاء بريطانيا ودوائر صنع القرار في لندن.

