محمد بن عيسى الكنعان
ما إن تبدأ العطلة الصيفية حتى تنطلق مواكب الزواجات، وتعلو زغاريد الأفراح في جميع مناطق المملكة، إضافةً إلى إقامة بعضها في أيام الأعياد الموسمية. ما يعني تدشين بيوت جديدة تضم في جنباتها عائلات مستجدة في المشهد الاجتماعي. فهذا يحتفل بابنه ليلة العمر، وتلك تزف ابنتها إلى بيت الزوجية. لكن في المجمل (المتزوج) أو (المتزوجة) يظلون حديثي عهد بالزواج والميثاق الغليظ؛ أيّ عهد مؤكد وموثق، ومحكم بالحقوق ومغلظ بالواجبات. فهل يُدرك المقبلون على الزواج أو المتزوجون حديثًا أبعاد هذا الميثاق؟ هل يعون حقًا أن الحياة الزوجية تختلف عن حياتهم العائلية التي كانوا يعيشونها بكل تفاصيلها؟
بتقديري أن شباب اليوم من بنين وبنات تنقصهم الدراية الكاملة إلا من رحم الله، خاصةً أن بعضهم ينظر إلى الحياة الزوجية بأحلام وردية، ويعتقد أن شهر العسل لا ينقطع، وحياة المتزوجين رحلة من المتعة والأنس دون منغصات، بينما هي انتقال كامل من طور اجتماعي إلى طور اجتماعي آخر في درب الحياة، ورحلة زوجية حافلة بالتحديات والتطلعات، حيث يتمثّل هذا الانتقال في ثلاثة متغيرات اجتماعية لا بد أن يعيها كل مُقبل أو مُقبلة على الزواج، أو كان من المتزوجين حديثًا، والمتغيرات الثلاثة التي أعنيها هي: (العلاقة، والسمعة، والمسؤولية). أولها العلاقة لأنها الأساس الذي تُبنى عليه الحياة الزوجية بعمومها، والقصد هنا العلاقة الزوجية، الجديدة والناشئة، التي تختلف في طبيعتها عن العلاقة العائلية (الأسرية) بشكل مُغاير؛ فهي علاقة تنقلك إلى بيت آخر وأجواء مختلفة. علاقة مع شريك جديد، وإنسان لم تألفه بعد، ولم تعرفه إلا قبل الزواج بوقتٍ قليل (زوج أو زوجة)، فلا بد أن تتفهم طباعه، وتقبل عاداته، وتتجاوز عن عثراته. نعم العلاقة الزوجية لا تُلغي علاقة الوالدين (الأب والأم)، لكن تختلف عنها بالتوجه العام، والتعامل اليومي، والمتطلبات الخاصة، وإن كانت تتكامل معها في المشهد الاجتماعي.
أما السمعة، فهي سمعة تتشكّل مع هذا الزواج، وينبغي المحافظة عليها والعناية بها من الطرفين، وفي كل الأوساط الاجتماعية، فإن كانت الفتاة المتزوجة قد حافظت على سمعة والدها وعائلتها بأخلاقها الكريمة وخصالها الحميدة طيلة مرحلة الأنوسة، فهي اليوم مُطالبة بالمحافظة على سمعة زوجها لأنه شريك حياتها، وسيكون -بأمر الله- أب أولادها، فحالها اليوم أنها (زوجة فلان) أكثر من كونها (بنت فلان)، وكذلك الحال بالنسبة للمتزوج وبنفس القدر، فهو مُطالب بأن يحافظ على سمعة زوجته بحسن سيرته والتزامه؛ فلم يعد ذلك الشاب المعني بنفسه وعائلته، أو الذي لا يكترث لتداعيات أو انعكاسات أخطائه. أما المتغير الثالث والأخير فهو المسؤولية، التي تُعتبر ركيزة أساسية في الحياة الزوجية، لأنها ببساطة القدرة على الاتزان بين أداء الواجبات ونيل الحقوق، لذلك على المتزوج أو المقبل على الزواج أن يُدرك أن الزواج أمانة كبيرة لا تقبل التفريط، ومسؤولية جسيمة لا تتوقف، فبالأمس كنت في بيت والدك غير معني بأية مسؤولية فعلية تجاه البيت أو أحد ساكنيه، إلا ما كان في إطار الأمر أو التوجيه من أحد الوالدين، لكن اليوم أنت المعني وحدك بهذه المسؤولية كاملةً، مسؤولية البيت بكل متطلباته، وبزوجة بكل حقوقها، ورغباتها، وأحوالها. والحال ينطبق تمامًا على المتزوجة حديثًا أو المقبلة على الزواج، فقد كنتِ الفتاة المدللة في بيت والدك، لا تعرفين إلى المطبخ طريقًا، حياتك بين غرفتك، وجامعتك، ومشاوير التسوق، ورفقة الصديقات، لكن الحال اختلف مع دخولك عش الزوجية، فهناك مسؤولية على عاتقك، مسؤولية زوج تراعين حقوقه، وتلبين رغباته، وتجعلينه دومًا أعلى قائمة اهتماماتك، مسؤولية بيت له احتياجاته ومتطلباته اليومية، بحيث يكون فعلًا سكنًا يعم فيه الهدوء، وتغشاه المودة، وتنتشر فيه السعادة، إن المسؤولية في الحياة الزوجية عملية تبادلية، وتكاملية أيضًا، بين الزوج وزوجته في نيل الحقوق وأداء الواجبات. أخيرًا؛ استيعاب هذه المتغيرات الثلاثة (العلاقة، والسمعة، والمسؤولية) من قبل المتزوجين حديثًا أو المقبلين على الزواج يُسهم بمشيئة الله في تخطيهم مرحلة تأسيس بيت الزوجية في سنتهم الأولى إلى سنوات أرحب من المودة والرحمة.

