: آخر تحديث

الحظ.. يُصنع ولا يُنتظر

3
4
3

لطالما تساءلت -كما الجميع- عن الحظ؟ لماذا هناك أشخاص نصِفهم أنهم "محظوظون"، كون الفرص لا تنفك تنهمر عليهم! وكأنما الحظ يلاحقهم أينما ذهبوا! على عكس غيرهم، فهل الحظ مرتبطون بأولئك المحظوظين؟ أم أنه فعلًا مجرد مصادفة بحتة؟

بعد خمسة وعشرين عامًا من التدريس في كلية مرموقة للأعمال، توصّل البروفيسور "كونور نيل" إلى قناعة لافتة: "الحظ لا يتحرك وحده، بل يسافر عبر الأشخاص والمحادثات"، أما الدكتورة "تينا سيليغ"، التي أمضت أكثر من عشرين عامًا في جامعة ستانفورد تدرّس الابتكار وريادة الأعمال، فقد خرجت بخلاصة مشابهة: الحظ ليس شيئًا يحدث لنا، بل شيئاً نصنعه بأنفسنا من خلال قراراتنا اليومية وطريقة تفاعلنا مع العالم.

من المثير أن الباحثين -رغم اختلاف المدارس والخلفيات- التقيا عند نتيجة واحدة: كلما تحرك الإنسان أكثر، وتواصل أكثر، وجرّب أكثر، زادت احتمالات حظوظه، وهو ما شهدت بنفسي، لمعارف وأصدقاء لم يتبسم لهم الحظ إلا حينما تحركوا وتواصلوا أكثر.

لذا أول ما ينصح به "نيل"، هو أن تتعرف على شخص جديد كل أسبوع! ليس للبحث عن منفعة مباشرة، وإنما لأن كل شخص هو شبكة من الخبرات والعلاقات، وقد تبدأ أعظم فرصة في حياتك بمصافحة، أو فنجان قهوة، أو حتى حديث عابر في ورشة صيانة! بيد أن التعارف وحده لا يكفي، إذ تقول "سيليغ" إن الحظ يبدأ حينما تغادر منطقة الراحة، لا تخاطر بكل ما لديك، بل ببضع المخاطرات الصغيرة: اطرح سؤالاً، راسل شخصًا تعجبك تجربته، فالفرص لا تزور من يقف في نفس موقعه، وإنما تبحث عن الذين يتحركون، ولا تنس أن الحظ يحب الفضوليين! أولئك الذين يسألون أكثر مما يتحدثون، ويستمعون أكثر مما يقاطعون، فالسؤال الجيد قد يفتح بابًا لم يكن يخطر على بالك، بينما الحديث المستمر عن نفسك يغلق أبوابًا قبل أن تُفتح.

من العادات التي تزيد نصيب الإنسان من الحظ أن يتعلم قول "نعم" أكثر، لأن الفرص لا تصل وهي تحمل لافتة: "هذه فرصة العمر”! بل تأتي في هيئة دعوة غير متوقعة، أو مهمة إضافية، أو لقاء هامشي.

ومن أجمل ما تؤكد عليه "سيليغ" أن الامتنان ليس صفة حميدة فحسب، بل استراتيجية حياة، عندما يقدم لك أحدهم وقتًا أو نصيحة أو دعمًا، فهو يمنحك جزءًا من حياته، لذلك فإن رسالة امتنان أو قول كلمة "شكرًا" الصادقة، قد تبدو صغيرة، لكنها تصنع أثرًا كبيرًا، والناس يتذكرون المُمتن عندما تظهر الفرص.

وتؤكد "سيليغ" على عادة مهمة؛ وهي ألا نقتل الأفكار المجنونة مبكرًا، فكم من ابتكار رفضه الجميع لأنه بدا مستحيلًا، ثم أمسى بعد سنوات صناعة بمليارات الدولارات، والسؤال الذي يجب أن يرافق كل فكرة جديدة ليس: "لماذا؟"، بل: "ماذا لو نجحت؟"

لهذا لم يعد الحظ -في نظري- كلمة تُقال لتفسير نجاح الآخرين، بل أصبح أسلوب حياة، إنه نتاج علاقات نبنيها، ومخاطر صغيرة نخوضها، وامتنان نقدمه، وأفكار نمنحها فرصة.

صديقي.. "الفرص لا تمشي في الشوارع تبحث عن الجالسين؛ بل تبحث عن الذين يبحثون عنها".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد