ناهد الأغا
تمثل الجغرافيا العسيرية، بجبالها الشاهقة، وقراها المعلقة التي تعود في بنيتها إلى أنماط معمارية محلية متوارثة عبر الأجيال، مصدراً للهوية المرجعية التي تستند إليها أي عملية تنمية سياحية، فهذه التكوينات الطبيعية هي كتاب مفتوح يقرأ فيه الزائر تاريخاً من الصمود والجمال، وتستلهم منه المجتمعات المحلية معنى الانتماء والاستمرارية، وفوق ذلك كله، تُسهم الظواهر الجوية كالضباب والغيوم المنخفضة، التي تطبع المنطقة بوشاحها الأبيض، في تشكيل النمط المناخي الفريد الذي يعد ميزة تنافسية استثنائية في سياق السياحة الداخلية، خاصة مع تزايد الطلب على الوجهات الجبلية التي تقدم أجواءً معتدلة خلال فصل الصيف، بما يتسق مع متطلبات الجودة البيئية ورفاهية الإنسان التي تتبناها رؤية 2030، وفي هذا المزيج الخلاب بين الأرض الصلبة والسماء الناعمة، بين صخرة الجبل وقطرة الضباب، يولد شعار السما أرضك كفكرة ملهمة تنبثق من صميم الجغرافيا نفسها، تدعو الإنسان ليفتح ذراعيه ويحلق فيها.
وتمثل الفعاليات المصاحبة لصيف عسير تجليات عميقة حيث تتحول المواقع التراثية إلى فضاءات لإعادة إنتاج الهوية الثقافية، فإعادة افتتاح مسرح طلال مداح، بعد أعمال التطوير والترميم هو تفعيل للذاكرة الجماعية وتعزيز الانتماء، وفي المقابل، يُعد سوق الثلاثاء التاريخي، نموذجاً للاستثمار في الاقتصاد الإبداعي حيث تتحول الساحة التجارية إلى منصة ثقافية تحتضن الحرفيين والمنتجات المحلية، مما يسهم في خلق سلسلة قيمة سياحية تدمج بين البُعد التراثي والبُعد الاقتصادي.
أما عن الفعاليات السياحية والتي تستهدف شرائح متعددة من الزوار، فـمركز مغامرات هوساك يمثل نموذجاً للسياحة المغامراتية التي تستغل التضاريس الطبيعية كمساحة للتحدي والاكتشاف، بينما يُعد مهرجان صوت أبها، تجسيداً للسياحة الثقافية والفنية التي تعزز التفاعل بين الزائر والموروث المحلي، وكذلك منطقة مشجعي كأس العالم 2026، تهدف لبعد عالمي يستقطب اهتمامات دولية، مما يعكس قدرة المنطقة على استيعاب الفعاليات العالمية ودمجها ضمن السياق المحلي، ويُعد استهداف استقبال أكثر من 3 ملايين زائر وتوفير 3 آلاف فرصة عمل موسمية مؤشرًا على الأثر المضاعف للاستثمار السياحي، حيث يمتد العائد ليشمل الاستقرار الاجتماعي والتمكين الاقتصادي للمجتمعات المحلية.
ان هذا التنوع لا يقتصر على الجانب الترفيهي فحسب بل يمتد ليشمل التبادل الثقافي وتنمية المهارات الحرفية والإبداعية، مما يعزز مرونة الوجهة السياحية وقدرتها على جذب شرائح مختلفة من الزوار.
كما تشكل منصة اكتشف عسير الرقمية أداة فعالة للتحول الرقمي في القطاع السياحي، مما يسهم في تحسين تجربة الزائر وتوزيع المنافع التنموية بشكل عادل بين المحافظات، وتعزيز التنمية المحلية الشاملة.
ومع استثمارات تتجاوز 444 مليون ريال في مشروعات ضيافة جديدة، تصبح عسير بيتاً ينتظر أهله يؤكد هذا الزخم التطويري أن السياحة في المنطقة أصبحت نمط حياة، وتجربة مستدامة تمتد على مدار العام، تُنمّي الاقتصاد المحلي، وترفع جودة الحياة، وتصنع من كل زائر سفيرا ً لهذه الأرض.
وفي عمق المشهد.. يقف صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز، حفظه الله، أمير منطقة عسير ورئيس هيئة تطويرها، بعزيمة قائد يستشرف الأفق، وخيال أديب يقرأ الجبال والضباب لغة للجمال، فيكون الأفق خطوة الزائر حين يمشي في الغيم فلا يبتلّ إلا بالدهشة.

