أول خطوة حقيقية نحو صناعة أخضر الأحلام في 2034 هي أن نتوقف فورًا عن المجاملة والخوف من قول الحقيقة التي تؤكد أننا لم نفعل شيئًا حقيقيًا لتحقيق هذا الهدف، وأن نراجع أي مشروع تم وضعه لتحقيق هذا الهدف، وفحصه وتمحيصه وإعادة صياغته أو إلغائه إذا ما ثبت فشله.
برنامج الابتعاث أو أكاديمية مهد أو أي برنامج و مشروع يهدف لتغيير واقع المنتخب السعودي المحزن يجب أن يخضع للمراجعة والمكاشفة والتدقيق الدوري للتأكد من صحة مساره، وقدرته وقدرة القائمين عليه على تحقيق الأهداف على الواقع لا الورق، وعلميًا وعمليًا لا إعلاميًا، وإذا اتفقنا أنَّ 90 % من مشاكل الكرة السعودية والمنتخب السعودي تتمثل في هذا القحط الذي نعيشه من حيث اللاعبين كمًا وكيفًا ونوعية وجودة، وإذا ما آمنَّا أنَّ كرة القدم لم تعد مجرد هواية ولعبة بل أصبحت صناعة وعلمًا قائمًا بذاته؛ فإن الحلول يجب أن تركز على ما يضمن لنا صناعة جيل من اللاعبين الذين يملكون الجودة الكافية لتحقيق طموحاتنا واللحاق بركب المنتخبات التي كانت خلفنا بمسافات بعيدة، وأصبحنا خلفها حتى لا نكاد نراها.
يجب أن تكون حلولنا مستأنسة لا مستنسخة من الآخرين، ولا يجب أن نستنسخ تجارب الآخرين على طريقة (القص واللصق)، ولا يجب أن نعتقد أنَّ مجرد التعاقد مع أسماء أجنبية مشهورة يمكن أن يحقق لنا أحلامنا الكروية؛ بل يمكن أن نحقق هذا الحلم بأيادٍ وعقول سعودية خالصة ومخلصة متى أسند الأمر لأهله من أهل الاختصاص والكفاءة، فالطفرة اليابانية الكبرى في كرة القدم -على سبيل المثال- بدأ التخطيط لها منذ منتصف الثمانينات الميلادية بعقول وكوادر يابانية، وخضعت للكثير من المراجعات وعمليات التصحيح حتى وصل المنتخب الياباني واللاعب الياباني إلى هذا المستوى من الجودة، والكثير من تجارب وخطط ومشاريع التطوير والبناء صنعت بأيدي وعقول أهلها، ولا أعرف هنا أو هناك تجربة ناجحة صنعت بأيدٍ وعقولٍ أجنبية، لذلك يجب أن نصنع حلمنا بأيدينا، ولدينا من العقول والكوادر التي يمكن لها متى ما أعطيت الفرصة والتمكين أن تذهل الجميع بمنتخب سعودي (صنع في السعودية).
البداية يجب أن تنطلق من العنصر الأهم في كرة القدم، وهو اللاعب، وعلينا أن نبحث عن الحلول العملية والواقعية والخلاقة في نفس الوقت لصناعة لاعب سعودي مؤهل بدنيًا وفنيًا ومهاريًا وتكتيكيًا يستطيع أن يقارع، وأن يقاتل، وأن يصارع، وأن يتفوق، وما نشاهده من أجسام نحيلة هزيلة ورقية الآن هي نتاج طبيعي للحال الكارثي في الفئات السنية في الأندية، ولن أتحدث عن واقع الأكاديميات لأني مقتنع تمامًا أننا لا نملك حتى الآن أكاديمية كرة قدم حقيقية، وعلينا أن نبدأ قبل الحديث عن صناعة المنتج ومواصفات وجودته في الحديث عن تأسيس المصنع الذي يمكن أن يقدم لنا هذا المنتج.
لا نملك الكثير من الوقت لنجامل ونجمل الحقيقة، فالعمل يجب أن يبدأ من الآن لصناعة أخضر 2034، والذي يفترض أن تكون عناصره اليوم في أعمار مابين العاشرة والخامسة عشر، والحل يكمن في نشر أكاديميات كرة قدم (حقيقية) في أكبر قدر ممكن من مدن المملكة، وتسليحها بكوادر تدريبية وكشافين ومعدين بدنيين وأخصائي تغذية مؤهلين، وبرامج دراسية متكاملة، وخطط مرحلية تضمن جميع مراحل الصناعة بدءًا من اكتشاف الموهبة، مرورًا بتأسيسها وتطويرها وصقلها، وانتهاء بالخطوة الأهم والأخطر، والمتمثلة بمتابعة عملية دمجها محليًا أو خارجيًا لتصل إلى درجة (لاعب محترف ومؤهل).
هذه الخطط الطويلة والمتعبة والمكلفة ضرورية وحتمية؛ لكنها لا تتعارض أبدًا مع وجوب اتخاذ حلول سريعة ومؤقتة كسياسة التجنيس الرياضي، بشرط أن تتم بدقة وذكاء وانتقاء مدروس، وبما أننا تحدثنا عن التجربة اليابانية فلا بد أن نذكر أنها في بدايتها استخدمت لفترة مؤقتة هذا الإجراء في محاولة لتسريع عملية التحسين والتطوير للمنتخب الياباني، ومن عاصر فترة ظهور المنتخب اليباني آسيويًا في بداية التسعينات يذكر جيدًا البرازيلي روي راموس الذي قاد اليابان لأول لقب قاري عام 92م أمام المنتخب السعودي، وبعده تم تجنيس مواطنه المهاجم الخطير فاغنر لوبيز، وبعده مواطنهما أليساندرو سانتوس، وآخرين من اللاعبين الأجانب الذين انتقتهم اليابان كخطوة مرحلية مؤقتة في الوقت الذي كانت تعد فيه جيلًا من اللاعبين اليابانيين الصغار الذين سطعوا فيما بعد في كبرى أندية أوروبا في تجارب احترافية حقيقية لا مصنوعة ولا مطبوخة.

