مع الوقت تحوّل المصطلح اللغوي إلى مصطح عرقي، عبر ثلاثة مفكرين أوروبيين:
1 ـ الفرنسي آرثر غوبينو (1853)، الذي كتب «مقالة في تفاوت الأجناس البشرية»، وادّعى أن الأجناس متفاوتة في القيمة، وأن «الآريين البيض» هم الأرقى، وأن اختلاطهم بغيرهم يؤدي إلى الانحطاط الحضاري. وبالرغم من أنه ليس بعالم، بل مجرّد كاتب، فإن أفكاره انتشرت، لأنها وجدت هوى في نفوس البعض.
2 ــ العالم الألماني ماكس مولر (1860)، الذي استخدم مصطلح «الآريين» بمعنى لغوي علمي، لكنه أقرّ لاحقاً بخطئه حين رآه يُستخدم عرقياً.
3 ــ البريطاني هيوستن تشامبرلين (1899)، ذو الميول الألمانية، الذي وضع كتاب «أسس القرن التاسع عشر»، وصاغ نظرية كاملة تجعل الجرمانيين تحديداً هم قمة الجنس البشري، وأصبح هذا الكتاب الإنجيل الفكري للنازية لاحقاً.
لكن كيف آمن هتلر بهذه الفكرة، فهو لم يكن فيلسوفاً ولا عالماً، بل كان قارئاً انتقائياً فقط، يبحث عمّا يؤكد قناعاته المسبقة المتعلقة بالتفوق العرقي، حيث سبق أن قرأ لتشامبرلين وغوبينو، وهو شاب، كما تأثر بالحركة الفولكية Völkisch الألمانية، التي مزجت الرومانسية القومية بالعنصرية، كما التقى بالبريطاني «المتألمن» تشامبرلين عام 1923، الذي اعتبره «المنقذ المنتظر»، وفوق ذلك استوعب هتلر أفكار ليبنفيلس، الذي نشر مقالات تمجّد «الدم الآري النقي»، فوفّر له كل ذلك فكرة «النظرية الآرية»، وأعطته تبريراً وتفسيراً لثلاثة أمور:
1 ــ تفسير هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، بسبب وجود اليهود بينهم.
2 ــ تبرير كراهية الغير، خصوصاً اليهود، وضرورة التخلص منهم.
3 ــ السعي إلى بناء الإمبراطورية وتنقيتها عرقياً.
ما كشف التناقض في نظريته اضطراره للاعتراف بالإيرانيين والأكراد كـ«آريين»، لأن كلمة «إيران» نفسها مشتقة من كلمة «آريان»، أو «أرض الآريين»، وهذا موثق تاريخياً، كما أن الأكراد شعب «هندوأوروبي» قديم، ولغتهم من الفصيلة نفسها، وبالتالي لم يستطع إنكار هذه الوقائع اللغوية والتاريخية، فاعتبر الشعبين آريين.
كما أراد هتلر، في الثلاثينيات، كسب إيران كحليف إستراتيجي، للنفط الذي لديها، ولموقعها الجغرافي، ضد بريطانيا، فاعترف بـ«آريّتها» رسمياً عام 1936، وأعفى الإيرانيين من قوانين نورنبيرغ العنصرية.
أُعجب الشاه رضا بهلوي بفكرة هتلر العنصرية، وغيّر اسم بلاده رسمياً من فارس إلى إيران عام 1935، في إشارة إلى «آريتهم»، وكان لأتباع الزرادشتية دور في تعزيز هذا المفهوم، نكاية بالعرب، الذين أفسدوا، بمفهومهم، صفاء العرق الآري، بخلاف دورهم الحاسم في القضاء على ديانتهم.
* * *
يقول علم الجينات الحديث إنه لا يوجد شيء اسمه «جين آري» أو «دم آري نقي». فالجنس الألماني مختلط كغيره من الأجناس والجماعات والقبائل وغيرها، ومن يسمون بـ«الآريين» هم مجموعات لغوية متنوعة جينياً لا يربطها عرق واحد، فـ«نقاء الجنس» لا أساس له بيولوجياً. والفكرة الآرية هي من أخطر أمثلة التاريخ على أنه كيف لمصطلح علمي بريء أن يُسرق من «بعض المهووسين» ويُحوَّل إلى سلاح أيديولوجي قاتل.
أحمد الصراف

