: آخر تحديث

استدامة المؤسسات الصحفية بضخ استثماري جديد

3
3
3

محمد سليمان العنقري

قبل أيام تم تناقل أخبار عن قيام مؤسسات صحفية بتقليص أعداد موظفيها من الصحفيين والمحررين وإقفال مكاتبها خارج مقرها الرئيسي، وقد تكون مؤسسات عديدة سبقتهم بذلك بعدة سنوات بقصد خفض التكاليف، فقد تقلَّصت أعداد موظفي الصحافة على مدى السنوات القليلة الماضية بعد تراجع كبير بإيرادات المؤسسات الصحفية العريقة والتي تعد هي منبع تخريج جل الإعلاميين في المملكة وتحديداً الكبرى منها إلا أن الواقع الحالي أصبح مختلفاً فمن اعتاد زيارة تلك المؤسسات بشكل مستمر منذ سنوات طويلة أو عمل بها بتلك الحقب سيلحظ فرقاً شاسعاً عندما يزورها اليوم، والقصد هو التراجع الحاد بأعداد العاملين فيها خصوصاً الصحفيين أي من يعتبرون الأساس في تميزها وإنتاجها للمحتوى الذي يغطي كافة الأنشطة بالمجتمع والعالم.

ومن خلال العلاقة بالعديد ممن عمل بتلك الصحف وخرج منها فإن غالبيتهم اتجه لوظائف بأسماء إعلامية أو بمجال التواصل بالجهات الرسمية أو بشركات بالقطاع الخاص أي ليست مؤسسات إعلامية ليضمن عملاً ودخلاً أكثر استقراراً وهو ما لعب دوراً كبيراً بضعف المحتوى الإعلامي في الصحافة قياساً بما كان عليه الوضع من قبل عندما كانت تلك الصحف تحقق إيرادات وأرباحاً ممتازة، وحتى لو اعتقد البعض أن التحول الرقمي له دور بتخفيض أعداد العاملين بالصحافة فإن ذلك غير صحيح لأن العبرة بحجم المحتوى الذي يقدم من الصحافة الاستقصائية أو التي تحلل الخبر لأن دورها أصبح التحليل وتقديم الرأي حول مجريات الأحداث والملاحظ هو التراجع الحاد بمحتوى الصحافة من التقارير والتحليلات التي كانت تقدم سابقاً، فنقل الخبر أصبح له ألف وسيلة مع الإعلام الجديد إلا أن تفكيكه وتحليله وإعطاء الرأي حوله صناعة إعلامية مختلفة وهي البضاعة التي تُباع للجمهور أو ما يبحث عنه.

فتراجع المحتوى الإعلامي وكذلك قوة الرأي عبر الصحافة له تأثير سلبي بتغذية المجتمع بما يحتاجه من معرفة حول الأحداث المتسارعة من حولنا ففي مجال الأعمال والاقتصاد وأسواق المال التي أصبح جل المجتمع مرتبطاً بها هناك حاجة كبيرة لتقديم التحليل والإحصاء والمتابعة الدقيقة لكل خبر لمعرفة أثره لمساعدة التاجر والمستثمر على اتخاذ القرار المناسب فما يقدم بالإعلام الاقتصادي أو الصحي أو الاجتماعي عموماً ليست معرفة كمالية، بل ضرورية وأساسية وفي معركة نشر الوعي هناك دور لكل وسيلة إعلامية والصحافة تأتي في مقدمة تلك الوسائل فنحن في زمن وسائل التواصل الاجتماعي والتي يبث عبرها ملايين الرسائل والأخبار وأصبحت تستخدم لنشر التضليل وقلب الحقائق وتمرير معلومات مضللة وإشاعات لتحقيق مكاسب مادية ويلاحظ ذلك كثيراً بمجال أسواق المال.

أما ما تحتاجه تلك المؤسسات للنهوض من جديد فليس تقديم دعم مالي حكومي كما يظن البعض عند الحديث عن واقع الصحف، بل إعادة النظر بالأنظمة والتشريعات التي يمكن من خلالها جذب استثمارات لتلك المؤسسات الصحفية لتعيد بناء نفسها بتوجهات تدعم استدامتها وتحقق لها إيرادات متوازنة بمصادرها لا أن تكون جلها من مصدر واحد كما كان سابقاً أي الإعلانات التجارية، فالمؤسسات الصحفية لديها تاريخ واسم عريق بمجالها وهو يعد رأس مال قوي جداً يؤهلها للعودة للساحة بزخم كبير بالمحتوى بوقت قصير أما الأصول فكلها تملك مواقع إستراتيجية يمكن استثمارها بمشاريع عقارية ضخمة إضافة للتنوع بأنشطتها الإعلامية، فهي صناعتها الأساسية.

المؤسسات الصحفية كنوز كبيرة بما تملكه من إرث وتاريخ في مجال الإعلام وقدرة على التأثير وتقديم الإضافة الكبيرة للمحتوى والرأي الذي يبحث عنه الجمهور بكافة الوسائل الإعلامية والاستثمار بها سيكون مجدياً خصوصاً مع التقنية الحديثة والقدرة على الانتشار بشكل واسع أكثر من السابق أي قبل عصر التقنية الحديثة والاتجاه للعودة لتوظيف الكوادر الإعلامية خصوصاً بعد دعم قطاع الإعلام ببرامج ابتعاث خارجي ووجود أعداد كبيرة بكليات الإعلام بالجامعات السعودية وهو ما يعني الحاجة الكبيرة لزيادة أعداد المؤسسات الإعلامية لاستيعاب هذه الكوادر القادمة وخصوصاً أن السوق الإعلامي المحلي يستوعب الكثير منها نظراً لأهميته ولدوره الذي لا يستغنى عنه بمجالات متعددة في تقديم الرأي والتحليل وتغطية الفعاليات الكبيرة والتي أصبحت بأعداد ضخمة في المملكة إضافة للجانب التوعوي والإرشادي والكثير من المنافع التي يقدمها قطاع الإعلام عموماً والصحافة خصوصاً.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد