: آخر تحديث

تقديم الحضارة الغربية في إهاب يهودي ــ مسيحي

3
3
3

كنت في المقال ما قبل السَّابق تعرَّضت بالنَّقد لقول أنيس فريحة في بحثه «الفكر العربي: مشكلته»، المنشور في مجلة «الأبحاث» عام 1950، إنَّ روح المسيحية الإنجيلية (يعني بها البروتستانتية) من الأركان الثلاثة التي قامت بها عليها الحضارة الغربية. وسأكمل الآنَ النقد الذي كنت بدأته في ذلك المقال.

يقول في خاتمة حديثه عن هذا الأمر المزعوم: «وهذه هي المسيحية في نظر العربي هجوماً اقتصادياً واستعماراً، وأسلوباً في الحكم يخالف النظرة الثيوقراطية التي يأخذ بها؛ ولذا أشاح ببصره عنها ولم يرَ ضرورة في تفهمها. ولكن الحقيقة الثابتة التي لا يسهل إنكارُها هي أنَّ الحضارة الغربية تقوم على الرُّوح المسيحية الإنجيلية التي تشيع في مجتمعهم، والتي يظهر أثرُها في حياتهم، وفي علاقاتهم، وفي معاملاتهم، وفي مقاييسهم الخلقية».

هذا البحث مع أبحاث أخرى له جمعها أنيس فريحة في كتاب عنوانه «دراسات في التاريخ»، صادر عن «النهار» عام 1980. وأعاد طبعه في «منشورات جروس برس» بطرابلس - لبنان عام 1991.

في الكتاب أسقط من خاتمة حديثه الجملة التي قال فيها: «لا يسهل إنكارها هي أنَّ الحضارة الغربية تقوم على الروح المسيحية الإنجيلية»! فيحار القارئ مع هذا السقط، سائلاً نفسه: ما هي الحقيقة الثابتة التي تشيع عند العرب، والتي يظهر أثرها في حياتهم، وفي علاقاتهم، وفي معاملاتهم، وفي مقاييسهم الخلقية؟ أيعني أنيس فريحة بها المسيحية؟!

وبعد أن أعدنا الجملة المسقطة إلى موضعها يسعنا أن نقول إنَّ الروح المسيحية الإنجيلية تشيع في المجتمعات البروتستانتية، ويظهر أثرها في حيواتها، وفي علاقاتها، وفي معاملاتها، وفي مقاييسها الخلقية، سواء أكانت هذه المجتمعات في العالم العربي، أو في أوروبا، أو في الولايات المتحدة، أو في أي مكان آخر من العالم، ولا يتعدى أثر هذه الروح وتأثيرها إلى سواهم من أبناء الطوائف المسيحية الأخرى، شرقاً وغرباً.

ما قاله أنيس هو تحوير ضيق - أملاه عليه تعصبه لطائفته البروتستانتية - لقول غربي، وهو أن من بين ما تقوم عليه الحضارة الغربية التراث الأخلاقي اليهودي - المسيحي. هذا القول الغربي ذاع بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك أثناء الحرب الباردة. وقد رُوّج له في هذه الأثناء لحماية دول الكتلة الغربية من التمدد الشيوعي.

وربَّما أنَّ هذا القول استند إلى قول قديم، وهو القول بـ«القيم اليهودية - المسيحية المشتركة». وهذا القول نشأ نشأة لاهوتية في بداية القرن التاسع عشر. وقد نشأ هذا القول إثر نقاش بين مفكرين بروتستانت أثير بعد ملاحظة اعتناق مجموعات من اليهود الديانة المسيحية؛ المسيحية البروتستانتية تحديداً. وقد كانَ هذا الاعتناق يحصل بتدرج وعلى مراحل. وكان مدار هذا النقاش: هل ثمة قيم أخلاقية مشتركة بين اليهودية والمسيحية، دفعت بيهود إلى اعتناق الديانة المسيحية؟

واتفقوا على أنَّ هناك روابط أخلاقية مشتركة تجمع ما بين هاتين الديانتين وأهل هاتين الديانتين. اتفقوا على هذا الأمر مع أنَّ عملية التحول الديني كانت تأخذ اتجاهاً واحداً، وهو التحول من اليهودية إلى المسيحية، ولا يُسمح بتحول آخر، وهو التحول من المسيحية إلى اليهودية. وأغفلوا أنَّ اعتناق يهود للديانة المسيحية لم يكن اختياراً دينياً حرّاً، بل هو لدواعٍ نفعية شبه إكراهية. منها: التخلص من قيد معاداة السامية، والاندماج في المجتمع الأوروبي (والأميركي)، وفتح المجال أمامهم للاشتغال بأعمال محظور عليهم مزاولتها، والحصول على الاعتراف بهم كمواطنين.

وفي الجهة الأخرى يعتبر المسيحي المتحول إلى اليهودية مرتداً، وهو معرَّض لعقوبات مغلّظة حدّها الأعلى الإعدام.

في أواخر القرن التاسع عشر ظهر فكر مضاد للقول بـ«القيم اليهودية - المسيحية المشتركة»، وكان أبرز ممثليه نيتشه في كتابه «المسيح الدجال»، والذي شنَّ فيه نقداً جذرياً للقول بـ«القيم اليهودية - المسيحية المشتركة».

ولعلَّ أول استخدام سياسي لهذا القول الذي نشأ نشأة لاهوتية كان في ثلاثينيات القرن الماضي، وذلك حين استخدمه البروتستانت المتحررون ومعهم اليهود المتحررون في الولايات المتحدة، لمقاومة صعود النازية التي مثّلت أحلك مرحلة في معاداة اليهود في التاريخ الأوروبي. واستخدمه الرئيس الأميركي أيزنهاور الذي اتكأ في حربه على الشيوعية في خطاباته على مفهوم القيم اليهودية - المسيحية، التي تعيش أميركا نعيمها.

وكان الغرض من إشاعة هذا المفهوم في الولايات المتحدة خلق جبهة ديمقراطية موحدة، وهوية وطنية دينية ضد «الشيوعية الكافرة».

هذان القولان - كما نرى - متشابهان وبينهما تداخل وتشابك. وهما يقومان على منظور ديني هشّ ومصطنع.

إنَّ القائلين بهذين القولين من المسيحيين واليهود يتجاهلون نحو ألفَي عام من اضطهاد المسيحيين لليهود في أوروبا. فلماذا حصل ما حصل رغم وجود التراث الأخلاقي المشترك؟! ويتجاهلون أنَّ الحضارة الغربية قبل القرون الحديثة تُدعى بالحضارة المسيحية، ولا أحد يسميها الحضارةَ المسيحية - اليهودية. تُدعى بهذا الاسم؛ لأن القاسم المشترك بين الممالك والإمارات والدول الأوروبية، هو أن كل شؤونها تسير وتسيّر وفق التعاليم الدينية المسيحية.

إنَّ الحضارة الغربية - مكوناً وخصائصَ - هي نتاجُ حراكٍ تاريخي تجسَّد في عصر النهضة والتنوير، وعبَّر عنها الفكر العلماني، وقد قامت على الفلسفة اليونانية العقلانية، والأطر المدنية والقانونية الرومانية. ولا شأنَ للتوراة والإنجيل بها، بل هي كانت تحرراً من مرجعيتهما الفوقية، وخروجاً على تصورهما للإنسان والطبيعة والكون. وللحديث بقية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد