: آخر تحديث

التعاونيات ومعادلة التنمية المستدامة

4
4
4

في ظل التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم، يبحث صناع القرار والخبراء دائماً عن صيغ تنموية تضمن تحقيق التوازن الحرج بين النمو المالي والعدالة الاجتماعية، وإذا كان الاقتصاد التقليدي يقوم في أذهان الكثيرين على ركيزتين أساسيتين هما القطاع العام والقطاع الخاص، فإن هناك "ركيزة ثالثة" أثبتت عبر التاريخ قدرتها الفائقة على امتصاص الأزمات وتوطين التنمية، ألا وهي "الجمعيات التعاونية"، فهي ليست مجرد جمعيات خيرية أو كيانات هامشية لسد الفراغ، بل هي نموذج اقتصادي متكامل يضع الإنسان في قلب العملية التنموية، ويحول المستهلكين والعاملين من مجرد أرقام في قوائم الأرباح إلى شركاء حقيقيين في الإنتاج والإدارة وصناعة القرار.

تتجلى الأهمية الاقتصادية للتعاونيات في قدرتها الفريدة على تجميع الموارد المبعثرة والقدرات الصغيرة لصغار المنتجين والمستهلكين، ما يمنحهم قوة تفاوضية كبرى في الأسواق، من خلال هذا النموذج، يتم تقليص تكاليف الإنتاج وتوفير السلع والخدمات بأسعار عادلة، فضلاً عن إعادة تدوير الأرباح والمكتسبات داخل المجتمع المحلي نفسه. أما من الناحية الاجتماعية، فإن التعاونيات تعزز روح المسؤولية الجماعية والمواطنة الاقتصادية، ويسهم بفعالية في الحد من البطالة والفقر عبر تمكين الفئات الأقل دخلاً، وتوفير شبكة أمان اجتماعي ذاتية التمويل والتشغيل.

وعندما ننظر إلى الأثر التنموي، نجد أنها تلعب دوراً محورياً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة؛ فهي تسهم بشكل مباشر في تعزيز الأمن الغذائي، ودعم الابتكار المحلي، وتحسين مستويات المعيشة في المناطق الريفية والنائية؛ تلك المناطق التي قد يزهد فيها القطاع الخاص الربحي لقلة العوائد، أو يعجز القطاع العام عن تغطية تفاصيلها بالكامل، إنها أداة ذكية لتحويل المجتمعات المستهلكة أو الرعوية إلى مجتمعات منتجة ومكتفية ذاتياً، تعتمد على قدراتها الذاتية لإحداث النهضة.

عالمياً، تزخر الساحة بنماذج ملهمة تؤكد أن التعاونيات قادرة على منافسة أعتى الشركات الكبرى بل والتفوق عليها في معايير الاستدامة؛ ولعل تجربة "مجموعة موندراغون" (Mondragon) في إقليم الباسك بإسبانيا تعد النموذج الأبرز عالمياً؛ إذ بدأت كتعاونية مهنية صغيرة في خمسينيات القرن الماضي لتتحول اليوم إلى واحدة من أكبر المجموعات الاقتصادية والصناعية في إسبانيا، وتضم عشرات الآلاف من العمال الذين هم في الوقت ذاته مالكون للشركة. وفي هولندا، يبرز "رابو بنك" (Rabobank) كأحد أضخم البنوك في العالم، وهو في أصله وجوهره بنك تعاوني تأسس لخدمة المزارعين وتطوير القطاع الزراعي. كذلك نجد تجربة التعاونيات الزراعية في اليابان (JA Group) التي تدير سلاسل إمداد الغذاء بكفاءة مذهلة وتحمي حقوق المزارع الصغير.

محلياً، وفي إطار رؤية السعودية 2030، يشهد القطاع التعاوني في المملكة حراكاً تنموياً وتشريعياً غير مسبوق، مدفوعاً بإيمان القيادة بدور "القطاع الثالث" في تنويع مصادر الدخل، لطالما كانت الجمعيات التعاونية الزراعية في مناطق مثل القصيم، والشرقية (الأحساء)، وجازان، وعسير، حجر زاوية في دعم المزارعين المحليين وتأمين سلاسل الإمداد الغذائي وتطوير سلاسل القيمة لمنتجاتنا الوطنية كالتمور والبن والعسل.

اليوم لم يعد الطموح محصوراً في النطاق الزراعي التقليدي؛ بل امتدت الرؤية لتشمل تأسيس تعاونيات رقمية وتقنية، وتجمعات تعاونية للإسكان، والخدمات الصحية، والسياحة والآثار، تسعى وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، بالشراكة مع مجلس الجمعيات التعاونية، إلى تمكين هذا القطاع لرفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى المستهدفات الطموحة، وتحويله إلى شريك إستراتيجي عبر تذليل العقبات التمويلية والتنظيمية وتدريب الكوادر الشابة لإدارة هذه الكيانات بعقلية استثمارية حديثة تجمع بين كفاءة السوق وحس المسؤولية الاجتماعية.

إن الرهان على التعاونيات اليوم في وطننا ليس مجرد خيار عاطفي أو ترف تنظيمي، بل هو ضرورة إستراتيجية لبناء اقتصاد مرن، مستدام، ومقاوم للصدمات، اقتصاد يزاوج بين الكفاءة والعدالة.. يقول الاقتصادي (جوزيف ستيغليتز) الحائز على جائزة نوبل في توصيفه لعمق هذا المفهوم: "التعاونيات تمثل بديلاً للهياكل الشركاتية التقليدية، وتثبت أن الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية يمكن أن تسيرا جنباً إلى جنب، وهي الأقدر على بناء اقتصاد يخدم الجميع لا القلة فقط".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد