يتداول كبار السن في منطقتنا عبارة مستنبطة من موقف حقيقي جرى في قرية من قراها، وهي أن واحدة من إناث تلك القرية مات زوجها مبكرًا، وكان يغمها رحيل زوجها، ولكن ظل همها الأكبر هو كيفية بقاء زوج واحدة من قريباتها حيًا، حيث كانت تحسدها وتضمر لها الشر بما أن زوج المحسودة ما يزال ينبض، بينما زوج الحسودة مستلقٍ في ناووسه الأبدي، وبما أن كل واحد منا سيأتيه يوم ويرحل عن هذه الدنيا، لذا فلم يمضِ وقت طويل حتى فقدت الأخرى زوجها، ولكن بدلًا من أن تقوم قريبتها بمواساتها أو تخفف عنها المصاب، أظهرت ما كانت تخزنه في جوفها لسنين طويلة من كمية الحسد والضغينة، إذ قالت لها من باب الشماتة والتذكير والتأكيد، وذلك بلا أي إحساس بالذنب أو الخجل:
(Ma li dawiyê em wek hev nebûn)
أي: ألم نصبح في الأخير مثل بعضنا؟ فنطقت تلك الجملة التي غدت مضربًا للأمثال، وكأنها عبر منطوقها ذاك كانت تعبّر عن فرحتها العظيمة بالحدث المفجع، هذا عوضًا عن مشاركتها الحزن أو على الأقل أن تشفق عليها بما أنها للتوّ فقدت زوجها.
ولكن يبقى أن ما يشفع لتلك المرأة على ذلك التصرف الأخرق هو أنها كانت جاهلة، والإنسان الجاهل كثيرًا ما يسقط عنه الإثم وفق المنظور الديني؛ أما من هم دون مستوى تلك المرأة فكرًا وعقلًا وسلوكًا وفق تصورنا فهم المسؤولون عن الإعلام التابع لحزب العمال الكردستاني، إذ بما أن منظومتهم الشعاراتية فشلت في بناء معلم حضاري واحد مع كل ما لديهم من الأموال بعد أزيد من أربعين سنة من تقديم القرابين البشرية وجمع التبرعات وفرض الضرائب، لذا فإنهم يتمنون من صميم القلب زوال إقليم كردستان العراق فقط لأنه ناجح وعامر، حالهم في هذا الإطار حال رئيس حراك الجيل الجديد في إقليم كردستان، لذلك يحتفون بالأخبار المتعلقة ببافل طالباني وشاسوار عبد الواحد أكثر من جماهير حزبيهما معًا!
عمومًا ربما وجدنا من نمرة تلك المرأة نماذج حية من بين جموع الصناع والتجار ورجال الأعمال والكتّاب والفنانين والشعراء والمثقفين بوجه عام، فقد تجد واحدهم يكن الحقد لمواطنه أو لمجايله أو لقرينه لمجرد أنه أكثر نجاحًا منه، أو أن حظوظه في السوق أو الحياة أكثر منه، أو أنه وصل لموقع ما وغيره لم يصل، أو ثمة من تبنى منتجه وصار يُشار إليه بالبنان، أو غدا ميسور الحال، بينما قرينه المعبأ بالغيرة والحسد بقي ملازمًا مكانه ولم ترتطم به أي فرصة من فرص الفلاح، ولكن بدلًا من تمني الخير للغير والفرح بنجاحات الآخرين يتمنى لهم الهزيمة والإخفاق وربما الهلاك، لا لشيء إلا ليصبح الميسور أو الناجح تعيسًا مثله، وذلك حتى يزيد عدد المنتكسين والبؤساء في هذا العالم.
إلا أن الأسوأ من المرأة المشار إليها ومثيلاتها في كل مكان، والأخطر ممن يعملون في حقل الصناعة والتجارة والفنون والإبداع هم الساسة، لأن السياسي الحقود خلفه حشد بشري، ولديه من يقولون له آمين حتى ولو كانوا يعرفون حق المعرفة بأن صاحبهم خسيس وجائر وأفاك، كما أن السياسي قادر على جر العوام كالهوام خلفه، بما أنه يخاطب الغريزة والعاطفة وليس العقل، وبمستطاعه تقليب الحقائق إن كانت لديه إمكانيات إعلامية هائلة كامتلاكه للقنوات التلفزيونية ومحطات الراديو ومؤخرًا منصات على اليوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي.
ولا شك في أن السياسي الذي يعبر عن كل ما في باطنه من المفوهات الدالة على الرغبة في الهدم من باب الحسد والغيرة يتقهقر في سلوكه ويتساوى مع الجاهل الذي يتسرع في الحكم دون أي دليل، ويرفض فقط من باب الرفض وحب الاعتراض، والذي يظل رأيه الشخصي بالنسبة إليه ولدى جمهوره أهم من القرائن والوثائق والأدلة العلمية التي يقدمها الخصم، باعتبار أنه غدا في سوية الجاهل الذي يقف بالضد من أحكام العقل والمنطق والحكمة.
وما صدر عن رئيس حراك الجيل الجديد شاسوار عبد الواحد مؤخرًا من تصريحات تضمنت الدعوة إلى إلغاء أو تفكيك أو حل كيان إقليم كردستان العراق إن لم يكن هو جزءًا منه، لا يختلف البتة عما قالته عشيقة الملك لويس الخامس عشر ملك فرنسا مدام دي بومبادور، أي: أنا ومن بعدي الطوفان. وهي لعمري قمة الأنانية لدى هذا السياسي الذي لديه الاستعداد لإلحاق الضرر وتدمير كل الإقليم إن لم يكن هو جزءًا منه، حاله حال الولد المشاكس، العدواني، الأرعن والمكروه الذي يفرض نفسه بالقوة والإكراه على مجايليه أثناء اللعب أو الرياضة أو أي عمل يقومون به.
حقيقة إن ما صدر ويصدر عنه، وما يفكر به، أخطر بكثير من تصرف المرأة في المثال المذكور، وألعن من مستبطنات المثقف الغيور والحقود، لأن تأثير المرأة محدود وقد لا يتجاوز الحي أو القرية، والمثقف المشار إليه أيضًا ليس له ذلك الوقع لدى الجماهير في منطقتنا، منه ما له علاقة بعدم قدرته على بناء المكانة في المجتمع، ومنه ما له علاقة بضعف الأثر الذي يحدثه، طالما كان يتكلم ليل نهار عن التنوير وهو بنفسه غير منير، بل وكثيرًا ما يكون مصدرًا رئيسيًا لجلب العتمة.
أما تخمينات العدالة المنتظرة حيال التصرف الأخرق لذلك السياسي الغيور الذي يتمنى هلاك إقليم بأكمله طالما لم يقاسم المسؤولين فيه المناصب أو المنافع، فتحيلنا إلى ما قاله معاوية بن أبي سفيان عن الشخص الحسود: "ليس في خصال الشر أعدل من الحسد، يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود". وبخصوص صمت حكومة الإقليم حيال ما صرح به شاسوار عبد الواحد، فيبدو أن الحكومة تمارس معه ومع عترته الصبر الرشيد، أو لعلها تصبر عليه إلى أن يرتفع لهيبه ويلتهم ذاته قبل أن تطال ألسنة نيرانه أحدًا من الناس، حيث يقول ابن المعتز في هذا الصدد:
اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله


