منذ عام 2003، لم يكن الفساد في العراق مجرد انحراف إداري أو تجاوزات مالية، بل تحول تدريجيًا إلى منظومة متكاملة أعادت تشكيل العلاقة بين السلطة والاقتصاد والسياسة.
ومع مرور السنوات، أصبحت شبكات المصالح تمتلك من النفوذ ما يجعلها قادرة على التأثير في القرار السياسي، وإدارة العقود العامة، وتوجيه الموارد، بل وفرض معادلاتها على مؤسسات الدولة نفسها.
لهذا، فإن الحملة التي أطلقتها الحكومة العراقية الجديدة تحت عنوان "صولة الفجر" لا يمكن النظر إليها بوصفها حملة أمنية عابرة، أو مجرد سلسلة من أوامر القبض بحق مسؤولين متهمين بالفساد، بل تمثل اختبارًا تاريخيًا لقدرة الدولة العراقية على استعادة سلطتها القانونية، وإعادة رسم حدود العلاقة بين القانون والنفوذ.
الفساد، عندما يتحول إلى نظام حكم
تاريخيًا، تواجه الدول نوعين من الفساد.
النوع الأول هو فساد الأفراد، ويمكن القضاء عليه بالمحاسبة والقضاء.
أما النوع الثاني فهو الأخطر، ويتمثل في تحول الفساد إلى بنية مؤسسية تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية، بحيث يصبح جزءًا من آليات إنتاج السلطة نفسها.
وخلال العقدين الماضيين، حذرت تقارير عراقية ودولية من أن العراق اقترب من هذا النموذج، حيث أصبحت بعض ملفات العقود الحكومية، والمشاريع الاستثمارية، والمنافذ الحدودية، والجباية، والطاقة، والنفط، والوظائف العليا، ساحات تتقاطع فيها المصالح السياسية مع الاقتصادية بصورة معقدة.
وهنا تحديدًا تبرز أهمية الحملة الحالية.
لماذا تختلف "صولة الفجر" عن الحملات السابقة؟
شهد العراق خلال السنوات الماضية عشرات الحملات المعلنة لمكافحة الفساد، إلا أن معظمها اصطدم بثلاثة عوائق رئيسية:
0 النفوذ السياسي.
0 الحصانات القانونية.
0 ضعف التنفيذ.
أما الحملة الحالية، فقد جاءت برسائل مختلفة.
فقد انطلقت بصورة مفاجئة، ونُفذت مداهمات متزامنة بإشراف قضائي، واستهدفت شخصيات ذات مواقع سياسية وإدارية مؤثرة، وهو ما أعطاها بعدًا يتجاوز الرسائل الإعلامية التقليدية.
والرسالة التي أرادت الحكومة إيصالها واضحة:
أن الدولة قررت اختبار قدرتها على الوصول إلى مراكز النفوذ نفسها، لا إلى الموظفين الصغار فقط.
هل المعركة ضد الفساد أم ضد منظومة النفوذ؟
السؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد المعتقلين.
السؤال الحقيقي هو:
هل تستطيع الحكومة تفكيك المنظومة التي تنتج الفساد؟
فالفساد الكبير لا يصنعه شخص واحد.
إنه يحتاج إلى شبكة كاملة تضم:
0 مسؤولًا يمنح العقد.
0 ورجل أعمال يموله.
0 وسياسيًا يوفر الغطاء.
0 وإداريًا يمرر الإجراءات.
0 ومحاسبًا يخفي الأثر المالي.
0 وربما جهات تحاول تعطيل المساءلة.
ولهذا فإن نجاح أي حملة لا يقاس بعدد المداهمات، وإنما بقدرتها على تفكيك هذه الشبكات، وإعادة بناء قواعد الإدارة العامة على أساس الشفافية وسيادة القانون.
الرسائل السياسية للحملة
الحكومة الجديدة لا تخاطب الداخل العراقي فقط.
بل توجه رسائل متعددة الاتجاهات.
أولها إلى الشارع العراقي، ومفادها أن مكافحة الفساد ستكون جزءًا من شرعية الحكم.
وثانيها إلى الطبقة السياسية، بأن النفوذ السياسي لا ينبغي أن يكون حصانة دائمة.
وثالثها إلى المستثمرين والمؤسسات المالية الإقليمية والدولية، بأن العراق يسعى إلى بناء بيئة أكثر استقرارًا وشفافية لجذب الاستثمار.
هذه الرسائل، إن اقترنت بإجراءات مستمرة ومستقلة، يمكن أن تعزز الثقة بالدولة.
أما إذا بقيت في إطار الحملات الموسمية، فإن أثرها سيتراجع سريعًا.
الاقتصاد، الضحية الأولى
لا توجد دولة تستطيع بناء اقتصاد قوي في ظل فساد مؤسسي.
فالفساد لا يسرق الأموال العامة فقط.
بل يرفع تكلفة المشاريع.
ويؤخر تنفيذها.
ويطرد المستثمرين.
ويضعف الثقة بالمؤسسات.
ويخلق اقتصادًا موازيًا يستفيد منه أصحاب النفوذ على حساب التنمية.
ومن هنا، فإن مكافحة الفساد ليست قضية أخلاقية فحسب، بل هي سياسة اقتصادية واستثمارية وأمنية في آن واحد.
القضاء هو نقطة الحسم
تبقى المرحلة الأكثر حساسية هي ما بعد الاعتقالات.
فنجاح أي حملة من هذا النوع يقاس بما يلي:
0 اكتمال التحقيقات وفق الإجراءات القانونية.
0 ضمان حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.
0 صدور أحكام قضائية مستقلة تستند إلى الأدلة.
0 استرداد الأموال العامة المنهوبة.
0 إصلاح الأنظمة التي سمحت بوقوع الفساد.
أما إذا توقفت القضية عند حدود الإعلان الإعلامي، فإنها ستفقد كثيرًا من أثرها الإصلاحي.
البعد الإقليمي
العراق يحتل موقعًا محوريًا في معادلات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
وأي تقدم حقيقي في مكافحة الفساد ينعكس على قدرته في جذب الاستثمارات، وتعزيز الاستقرار، وتطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة مؤسسات الدولة.
ولذلك تتابع عواصم المنطقة والمؤسسات الاقتصادية الدولية مسار هذه الحملة باهتمام، ليس فقط لمعرفة عدد الموقوفين، بل لمعرفة ما إذا كانت ستقود إلى إصلاح مؤسسي مستدام.
هل نحن أمام لحظة تأسيسية؟
قد تكون "صولة الفجر" بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدولة العراقية، وقد تكون مجرد محطة ضمن سلسلة طويلة من المحاولات.
الفارق بين الاحتمالين لن تحدده البيانات الرسمية، ولا عدد الموقوفين، بل ستحدده قدرة الدولة على ترسيخ مبدأ بسيط وعميق في آن واحد:
أن لا أحد فوق القانون، وأن المال العام ليس غنيمة سياسية، بل أمانة وطنية.
فإذا نجحت الحكومة في تحويل هذا المبدأ إلى ممارسة دائمة، فإن العراق لن يكون قد كسب معركة ضد الفساد فحسب، بل سيكون قد وضع حجر الأساس لدولة المؤسسات التي طال انتظارها.
أما إذا تعثرت الحملة أمام ضغوط النفوذ أو الحسابات السياسية، فإنها ستنضم إلى سجل طويل من المبادرات التي رفعت سقف التوقعات، لكنها لم تغيّر قواعد اللعبة.
ويبقى الدرس الأهم أن بناء الدول لا يبدأ بإعلان الحرب على الفساد فقط، بل بإقامة منظومة قانونية وإدارية تجعل الفساد استثناءً مكلفًا، لا قاعدة يمكن التعايش معها.


