: آخر تحديث

المستقبل يبدأ من القرار

2
2
2

ليست كل مرحلة تمر في حياة الأمم فرصة لصناعة التحول. هناك سنوات تُدار بما تفرضه الظروف، وسنوات أخرى يفتح فيها التاريخ نافذة نادرة، ويمنح من يتولى المسؤولية فرصة لأن يترك أثرًا يتجاوز زمنه. والسؤال الذي يبقى دائمًا ليس: من كان في موقع القرار؟ بل: ماذا تغيّر لأن هذا المسؤول أحسن استثمار الفرصة التي أُتيحت له؟

السلطة بطبيعتها مؤقتة، أما ما يُبنى خلالها فقد يبقى لعقود. ولهذا، فإن قيمة أي تجربة لا تُقاس بعدد القرارات التي اتُّخذت، ولا بعدد المشروعات التي أُعلنت، بل بما إذا كانت تلك القرارات قد جعلت الدولة أكثر قوة، والمؤسسات أكثر كفاءة، والناس أكثر ثقة بمستقبلهم.

من السهل أن ينشغل المسؤول بإطفاء حرائق اليوم، فهذا جزء من واجبه. لكن الأصعب هو ألا يسمح لضغط الحاضر أن يسرق منه رؤية الغد. فهناك فرق كبير بين من يدير يومه، ومن يبني لما سيأتي بعد سنوات، لأن المستقبل لا يولد مصادفة، بل تصنعه الرؤية والإرادة والعمل المتواصل.

والتاريخ يخبرنا أن الدول التي تقدمت لم تكن أوفر حظًا من غيرها، لكنها عرفت كيف تستثمر اللحظة. لم تنتظر أن تختفي التحديات حتى تبدأ بالإصلاح، بل جعلت من التحديات سببًا لإعادة ترتيب أولوياتها، وبناء مؤسسات أكثر قدرة على الإنجاز، وأقل اعتمادًا على الاجتهادات الفردية.

ولهذا، فإن بناء الدولة لا يبدأ من المباني، بل من طريقة التفكير. يبدأ عندما تصبح الكفاءة معيارًا لا استثناء، وعندما يكون القانون مرجعًا للجميع، وعندما يشعر الموظف أن اجتهاده مقدَّر، ويشعر المواطن أن المؤسسة وُجدت لخدمته، لا لتعقيد حياته.

ولعل أكبر خطأ تقع فيه الدول هو أن تنشغل بما يُنجز اليوم، وتغفل عمّا يجب أن يستمر غدًا. فالمشروع الناجح ليس الذي يُفتتح وسط التصفيق، وإنما الذي يواصل أداء دوره بعد سنوات، لأن من خطط له فكر في الاستدامة قبل أن يفكر في الاحتفاء.

كما أن بناء الدولة لا يتحقق من دون مراجعة صادقة. فلا توجد تجربة كاملة، ولا قرار يخلو من الحاجة إلى التقييم. والقيادة الواثقة ليست تلك التي ترفض النقد، بل التي تميّز بين الضجيج والرأي المسؤول، وتدرك أن تصحيح المسار ليس تراجعًا، بل دليل على حيوية المؤسسات وثقتها بنفسها.

ومن القضايا التي لا تحتمل التأجيل أيضًا، الاستثمار في الإنسان. فالموارد قد تمنح الدولة قوة، لكن العقول هي التي تحافظ عليها. والتعليم، والإدارة الكفؤة، والعدالة في الفرص، ليست ملفات منفصلة، بل أساس أي مشروع يريد أن يعيش طويلًا.

وفي حياة كل دولة، تأتي لحظات لا تتكرر كثيرًا؛ لحظات تتوافر فيها الإرادة والإمكانات والظروف لفتح صفحة جديدة. والتحدي الحقيقي ليس في انتظار اللحظة المثالية، بل في إدراك أن الفرص، إذا ضاعت، قد لا تعود بالصورة نفسها.

ولهذا، لا يحتاج من يتولى المسؤولية إلى أن يسأل كل يوم: ماذا يقول الناس؟ بل ربما يكون السؤال الأهم: ماذا سيقول الزمن عندما تهدأ الضوضاء، وتبقى النتائج وحدها تتحدث؟

فالزمن لا ينحاز إلى أحد، لكنه ينصف من حوّل السلطة إلى وسيلة للبناء، ومن جعل المؤسسة أقوى، والقانون أرسخ، والإنجاز عادة لا استثناء.

وهنا لا يبقى من التجارب السياسية عدد الخطب، ولا كثرة الوعود، ولا ضجيج الخصومات. ما يبقى هو الدولة عندما تصبح أكثر قدرة على خدمة مواطنيها، وأكثر ثقة بنفسها، وأكثر استعدادًا للمستقبل.

ذلك وحده هو الأثر الذي لا تكتبه المناصب، بل تكتبه الأيام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.