: آخر تحديث

في الأزمات يُكشف المستور

2
1
1

الأزمات التي عصفت بالمنطقة لم تكن مجرد منعطفات سياسية، بل كانت مرآة عكست الحقائق كما هي، فكشفت المستور وأسقطت الأقنعة وعرّت ما أخفته المجاملات، ففي لحظات الاختبار تتوارى الأقوال وتتقدم المواقف، وحين تضيق الخيارات لا يبقى إلا المبدأ وتظهر المعادن على حقيقتها.

ولعل أكثر ما تكشفه الأزمات هو قيمة الكلمة، فهناك من يحملها رسالة ومسؤولية وهناك من يحولها إلى بضاعة تُباع وتُشترى، تتبدل بتبدل المصالح وتتغير بتغير الجهات التي تمولها، فلا تعود الحقيقة هي البوصلة، بل يصبح المقابل هو الذي يرسم الاتجاه.

لقد أظهرت التحولات الوجه الآخر القبيح لتزييف الكلمة وللشعر المصطنع ولمن امتهنوا صناعة الشك على حساب الوعي، كما كشفت ما يمكن وصفهم بـ"محللي الغفلة" الذين يقدمون أنفسهم خبراء في قراءة المشهد بينما تتغير مواقفهم وآراؤهم السياسية بين عشية وضحاها، فما يعدّونه اليوم حقيقة لا تقبل الجدل ينقلب غدًا إلى رأي مغاير وكأن المواقف عندهم لا يحكمها مبدأ بل اتجاه الريح وما يقبضونه.

فلا تحركهم القيم ولا المبادئ ولا محبة الأوطان بل ما يقبضونه. ولهذا تتبدل مواقفهم بتبدل المصالح وهو أمر مؤسف، فمن اعتاد بيع الكلمة لن يتردد في بيع الموقف، ومن جعل قلمه وسيلة للكسب، فقد جرّد الكلمة من رسالتها وحوّلها إلى بضاعة في سوق الأزمات.

أما أصحاب المواقف الصادقة فلا تمنحهم الأزمات مصداقيتهم ولا تصنع لهم المنصات مكانتهم، لأن الثبات لا يولد مع اشتداد العواصف بل يكشفه اشتدادها، فالمبدأ الذي يتبدل مع المصالح ليس مبدأ، والضمير الذي يُعرض للبيع مرة يفقد قيمته إلى الأبد.

ويبقى الزمن هو الحكم الذي لا يجامل أحدًا، فما يختبئ خلف الأقنعة لا يلبث أن ينكشف وما يُبنى على المصالح ينهار عند أول اختبار، أما المواقف الصادقة فتزداد رسوخًا كلما اشتدت الأزمات، لأن الحقيقة لا تحتاج إلى صوت مرتفع بل تحتاج إلى ثبات.

وهكذا تثبت الأيام مرة بعد أخرى أن الأزمات لا تصنع الحقائق بل تكشفها ولا تصنع الرجال بل تُظهر معادنهم، وفي الأزمات يُكشف المستور.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.