: آخر تحديث

لماذا تخشى الدول الهشة سؤالًا واحدًا: من أين لك هذا؟

3
3
4

عندما تُطرح قضية مكافحة الفساد، يتجه النقاش غالبًا إلى الأموال المنهوبة والحسابات والعقارات. لكن هذه ليست سوى الواجهة. فالفساد، في جوهره، ليس فعل سرقة فحسب، بل نظام حكم يُعيد توزيع النفوذ ويصوغ قواعد غير معلنة لإدارة الدولة.

من هنا، لا تخشى الدول الهشة الفساد بقدر ما تخشى الشفافية. فالأول يمكن احتواؤه داخل توازنات السلطة، أما الثانية فهي لحظة انكشاف كامل تجعل كل قرار قابلًا للسؤال والمساءلة.

لذلك، لا يكون السؤال الحاسم: من سرق؟ بل: كيف تشكّل نظام يسمح أصلًا بتراكم الثروة والنفوذ خارج الرقابة؟

في العراق، وبالرغم من وجود مؤسسات رسمية لمكافحة الفساد، تبقى فعاليتها مرتبطة باستقلال القرار السياسي وقدرة الدولة على فرض القانون على الجميع. أما في لبنان، فالأزمة تتجاوز المال العام إلى بنية الحكم نفسها، حيث تتحول المحاصصة إلى قاعدة، ويُستبدل معيار الكفاءة بالولاء، فتغدو المؤسسات أدوات نفوذ لا مؤسسات دولة.

ويكفي النظر إلى مؤشر مدركات الفساد لعام 2024 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية: لبنان 23 من 100، والعراق 28 من 100، لندرك أن الأزمة لا تتعلق بحجم الفساد فقط، بل بضعف القدرة المؤسسية على مكافحته. فهذه المؤشرات تقيس قابلية الدولة للمساءلة، لا حجم السرقة فيها.

غير أن اختزال الظاهرة في بعدها المالي يضلل الصورة. فهناك ما يمكن تسميته "اقتصاد الفساد"، حيث تتحول المخالفة إلى نمط إدارة: ترتفع الكلفة، تتراجع الجودة، يضعف الاستثمار، وتهاجر الكفاءات حين تصبح العلاقات أهم من الجدارة.

وتُظهر تجارب دول مختلفة أن كسر هذه الحلقة لا يتم عبر ملاحقة الأفراد فقط، بل عبر تغيير قواعد النظام. في سنغافورة، ارتبط الإصلاح بإرادة سياسية صارمة وجهاز رقابي مستقل. في هونغ كونغ، لعبت هيئة مكافحة الفساد دورًا حاسمًا بصلاحيات واسعة واستقلال فعلي. وفي رومانيا، سمح استقلال النيابة وتفعيل الرقابة الأوروبية بملاحقات طالت مستويات سياسية عليا. وبالرغم من اختلاف السياقات، فإن القاسم المشترك واحد: تغيير القواعد قبل تغيير الأشخاص.

فالفساد لا يولد دفعة واحدة، بل يُعاد إنتاجه داخل المؤسسات. عندما تصبح الترقية مكافأة للولاء، ويخشى الموظف الاعتراض، ويدرك المواطن أن الوصول إلى القرار أهم من جودة الفكرة، يتحول الفساد إلى سلوك إداري طبيعي.

وعليه، فإن الإصلاح ليس أخلاقيًا بل مؤسساتيًا: نظام موحد للتصريح بالذمة المالية، ربط قواعد البيانات بين العقارات والمصارف والضرائب، تجريم واضح لتضارب المصالح، حماية قانونية للمبلّغين، استقلال فعلي للهيئات الرقابية، ونشر كامل للعقود والمناقصات بصيغ مفتوحة قابلة للتدقيق.

ويبقى السؤال الأعمق: كم فرصة ضاعت؟ وكم مشروع لم يولد؟ وكم كفاءة غادرت لأن الجدارة لم تعد معيارًا للنجاح؟

الدول لا تُقاس بثرواتها، بل بقدرتها على إنتاج العدالة. وهذه العدالة لا تتحقق إلا عندما يصبح سؤال: "من أين لك هذا؟" جزءًا من بنية الدولة، لا شعارًا ظرفيًا.

الدولة التي تغيّر الأشخاص وتُبقي القواعد على حالها، لا تُصلح الفساد بل تعيد إنتاجه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.