: آخر تحديث

علم النفس الشعبي

4
3
4

في الآونة الأخيرة، نلاحظ جميعاً كيف امتدت أحاديث المجالس اليومية ومنصات التواصل الاجتماعي لتفيض بمصطلحات كانت حتى وقت قريب حكراً على العيادات الضيقة والكتب الأكاديمية؛ كلمات مثل النرجسية، والتعافي النفسي، والاحتراق الوظيفي، والعلاقات السامة، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من القاموس اليومي للإنسان المعاصر. هذا المد المعرفي الهائل والانتشار الواسع للمفاهيم النفسية بين عامة الناس هو ما يُصطلح عليه في الأدبيات الحديثة بعلم النفس الشعبي، وهو ظاهرة ثقافية تستحق التأمل والدراسة، لأنها تعكس تحولاً عميقاً في الوعي الجمعي.

إن لعلم النفس الشعبي فضلاً كبيراً لا يمكن إنكاره في تفكيك وصمة العار التي ظلت تلاحق اضطرابات الصحة النفسية في مجتمعنا لعقود طويلة، فبعد سنوات من التكتم والتحفظ، أصبح الحديث عن القلق والاكتئاب والضغوط النفسية أمراً مقبولاً ومفهوماً، بل ودليلاً على النضج والوعي الذاتي. وتتجلى أبرز فوائد هذا التدفق المعرفي في قدرته على تبسيط النظريات السلوكية المعقدة وتحويلها إلى نصائح عملية وأدوات أولية تساعد الأفراد على فهم أنفسهم ومحيطهم بشكل أفضل. ومع ذلك، فإن هذا الأثر الإيجابي يحمل وجهاً آخر خطيراً، إذ أدى الاندفاع غير المنضبط وراء هذه الموجة إلى هوس التشخيص الذاتي، وإطلاق الأحكام الطبية القاطعة على الآخرين بناءً على مقطع فيديو قصير أو اختبار شخصية عابر.

وهنا يبرز الخيط الرفيع الذي يفصل بين الوعي العام والمعرفة العلمية الراسخة؛ فالفرق بين علم النفس العلمي وعلم النفس الشعبي هو فرق في الجوهر والمنهجية؛ حيث يعتمد علم النفس العلمي في مقامه الأول على البحث التجريبي الرصين، والإحصاءات، والدراسات السريرية المحكمة التي تخضع لرقابة صارمة ومراجعة مستمرة من الأقران، وهو علم يتقبل التعقيد الإنساني ويدرك أن التشخيص والعلاج يتطلبان وقتاً وجهداً وتخصصاً. في المقابل، يستمد علم النفس الشعبي قوته وانتشاره من القصص الجاذبة، والتجارب الشخصية، والأفكار الشائعة التي تلامس مشاعر الجماهير، وهو يقدم وصفات جاهزة وحلولاً سريعة تعد بالسعادة المطلقة أو النجاح الباهر في خطوات معدودة، مستهدفاً لفت الانتباه ومبيعات الكتب ونسب المشاهدة، ويميل في كثير من الأحيان إلى التبسيط المفرط الذي قد يروج لثقافة الإيجابية السامة التي تنكر المشاعر الإنسانية الطبيعية كالحزن أو الضعف.

لكن هذا التباين لا يعني بالضرورة محاربة علم النفس الشعبي، بل يتطلب منا ترشيده وتوجيهه ليصبح بوابة شرعية وذكية لرفع الوعي النفسي الحقيقي في المجتمع، وإن الخطوة الأولى للاستفادة من هذه الظاهرة تكمن في تجسير الفجوة بين الأكاديميين المتخصصين والجمهور العام، بحيث ينزل علماء النفس والتشخيص من أبراجهم العاجية ويساهمون في صناعة محتوى مبسط وجاذب ينافس الأطروحات السطحية دون أن يفقد رصانته العلمية. كما يتطلب الأمر تنمية حس التفكير النقدي لدى المتلقي. والأهم من ذلك كله هو التأكيد المستمر على أن كتب المساعدة الذاتية والمقالات الرقمية هي مجرد أدوات تنويرية مساندة تساعد على الاستبصار، وليست بديلاً بأي حال من الأحوال عن الاستشارة الطبية المتخصصة والعيادة النفسية عند مواجهة أزمات حقيقية.

يمكننا تشبيه علم النفس الشعبي بالإسعافات الأولية التي تنبهنا لوجود الخلل وتساعدنا في التعامل الأولي معه، لكنها لا تغني أبداً عن الطبيب الجراح وغرفة العمليات عند الأزمات الكبرى، إنه أداة ممتازة للنظر إلى الداخل وتأمل ذواتنا، شريطة أن تظل بوصلتنا موجهة نحو العلم الحقيقي والرصانة.

يقول عالم النفس الشهير كارل يونغ: «من ينظر إلى الخارج يحلم، ومن ينظر إلى الداخل يستيقظ». ولنصل إلى مرحلة الاستيقاظ الحقيقي، علينا أن نتجاوز قشور التبسيط ونستند إلى وعي نفسي ناضج يحمي الفرد ويقود المجتمع نحو نضج فكري ونفسي شامل وصحي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد