لا تتعب «الفيفا» من ابتكار أساليب جهنمية لزيادة مداخيلها. وإذا كانت قد رضيت سابقاً بزيادة تقارب المليار دولار في كل دورة، فإن مونديالها المقبل يعد بقفزة أكبر، قد تتجاوز ثلاثة مليارات دولار مقارنة بدورة قطر، بفضل أفكار تبدو غريبة للوهلة الأولى، لكن مع «الفيفا» كل شيء ممكن، بل وممتع.
فمن كان يخطر له مثلاً أن يقطع كل شوط من المباراة باستراحة، بعد تقليد تجاوز القرن، عرف خلاله البشر استراحة واحدة بين الشوطين. لكن هذه الوقفة التي تبدو مفتعلة وتفقدك الحماسة، وقيل إنها لاستراحة اللاعبين وشرب الماء، تؤمن أرباحاً معتبرة لـ«الفيفا»، تصل إلى 250 مليون دولار بفضل الإعلانات التي تبث خلالها. بالنسبة إلى المتفرج هي ثلاث دقائق فقط، لكن «الفيفا» تبيع الوقت أيضاً، وبسعر الذهب. وقبل فكرة الاستراحات الذهبية، كانت فكرة زيادة عدد المنتخبات المشاركة، فلماذا لا تكون 48 منتخباً بدلاً من 32 كما كانت العادة؟ ضربة معلم. هذا إجراء أمّن للجهة المنظمة 40 مباراة إضافية، بتذاكرها، واستراحاتها، وفنادقها وطائراتها، وكافة مصاريفها. فكل مباراة لها توابعها التي تفتح أبواب الرزق والربح.
لكن حين تقرر أن تشرك في هذه المناسبة الرياضية العالمية التي يفترض أن تصل إليها زبدة المنتخبات، عدداً أكبر من الفرق، فهذا يأتي على حساب النوعية، لأنك ستقبل بضم دولٍ كان يفترض أن تبقى خارج التصفية في دورات سابقة. لكن لا بأس، فالأولوية صارت للإعلانات، وعمولات الفنادق، وشركات البث، ومؤسسات البيانات الرقمية، ووكالات الطيران، قبل أي شيء آخر.
يريد المتفرج أن يتابع فريقه المفضل، تعنيه لحظات الحماسة التي تسرقه من متاعب الدنيا. وكلما ازدادت وطأة الحروب، والظلم وتفشت الأزمات، وجد المتابعون في المونديال، كل أربع سنوات، متنفسهم، وواحة استراحتهم. تدرك «الفيفا» نقطة ضعف جمهورها، فلا تتوانى عن رفع مستوى جاذبية مبارياتها، بتصويرٍ يجعلنا نتابع قسمات الوجه، وصرخات اللاعبين، وتهاليل المشجعين، ببطء ووضوح مبهرين، حتى نكاد نشعر بأننا نعيش معهم. لا يعبأ المتفرج، بكل الأخبار السلبية التي يسمعها عن «الفيفا». فالعرب الذين غضبوا من تحكيم مباراة مصر مع الأرجنتين واعتبروا النتيجة ظالمة للفراعنة، سيتابعون المباريات المقبلة، حتى النفس الأخير. وأولئك الذين يعترضون على ظلم هنا، ورأسمالية هناك، وفساد في مكان ثالث، لن يهتموا كثيراً لانتقاد يوجه لـ«الفيفا» مهما كبر. فهي بالنسبة لهم كيان هلامي، واجهة ضبابية، لكنها تجلب الفرح والمسرّة، وغفران خطاياها، يمنحنا السعادة، وليس من مجنون يريد أن يحرم نفسه هذا الموعد الجميل الذي لا يأتي إلا مرة كل أربع سنوات.
احتفالية جماعية تنزل كالماء الزلال على جماهير عطشى للأمل والحبور. لكن طقوسها ومبارياتها بقيت عشرات السنين متعة مجانية لأمم الأرض في منازلهم، ولم يكن ليخطر على بال حتى أصحاب المخيلة الخصبة، أن هذه المشاهد التلفزيونية الموسمية، يمكن أن تحتكر وتشفر وتمنع وتباع لمن يملك ثمن الفرجة. حقاً إنها لفكرة كان من المستحيل حتى التفكير فيها. ثم إن أسعار التذاكر تصبح بمرور الوقت سلعة حكراً على الأغنياء ومن يملكون حظوة دفع تكاليف الطيران والفنادق وتذاكر الدخول التي تحلّق كأننا في مزاد.
وهذا أيضاً من ابتكارات «الفيفا»، فبدلاً من سعر التذاكر الثابت المعتاد، أصبح السعر يرتفع كلما زاد الطلب، وكأنك تحجز مقعداً في طائرة، فقد يدفع شخص 300 دولار، ويدفع آخر للمقعد نفسه آلاف الدولارات، فقط لأنه اشترى التذكرة في توقيت مختلف.
ومن باب الفطنة أيضاً استحدثت «الفيفا» كأس العالم للأندية الموسعة، ما فتح لها أبواب مباريات جديدة، ومعلنين إضافيين، وحقوق نقل تلفزيوني، أي رزق وفير لم يكن موجوداً من قبل.
هذا كله يتنافى مع ما عرفت به لعبة كرة القدم، كرياضة شعبية، انتشرت أصلاً لأنها لكل الطبقات، لا تحتاج معدات ومستلزمات، الكرة وحدها تكفي لتجمع أطفال الحي. لكن الزمن تغير، صارت الكرة ذكية بشريحة وبطارية، وصار اللاعبون مرصودين بالكاميرات، فيما الخوارزميات تحلل حركاتهم وسكناتهم. والاتحاد الدولي لكرة القدم، لم تعد الرياضة نفسها بالنسبة إليه هي الهدف، بل بيعها وتسويق كل ما يدور حولها، بما في ذلك الزمن والمصداقية، والاستراحة، والبيانات، والذكريات، حتى إنها بدأت تتنازل عن المستوى.
وصدق أو لا تصدق، يعتبر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) منظمة غير ربحية، لكنه في واقع الأمر إمبراطورية ذات مدخول تتفوق فيه على دول عديدة، تدير المليارات، ولها سلطة ممتدة. إنها قوة عارمة تضم 209 اتحادات كرة قدم حول العالم، أي أكثر من عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

