: آخر تحديث

النموذج الخليجي

3
3
4

لم تكن زيارة وزير الخارجية إلى سلطنة عُمان مجرد محطة دبلوماسية اعتيادية في سجل العلاقات الخليجية، بل جاءت في توقيت بالغ الأهمية، تعيش فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية واقتصادية متسارعة، الأمر الذي منح هذه الزيارة أبعادًا تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، لتؤكد أن الرياض ومسقط تمضيان بثقة نحو ترسيخ نموذج خليجي يقوم على الشراكة الإستراتيجية، والتنسيق السياسي، والتكامل الاقتصادي.

لقد أثبتت العلاقات السعودية العُمانية خلال السنوات الأخيرة أنها تمثل أحد أكثر نماذج التعاون الخليجي نضجًا واستقرارًا، مستندة إلى رؤية مشتركة تؤمن بأن التنمية لا تنفصل عن الأمن، وأن ازدهار المنطقة يبدأ من تعزيز جسور التعاون بين دولها. ومن هذا المنطلق، جاءت المباحثات لتعكس الإرادة السياسية لدى قيادتي البلدين في توسيع آفاق التعاون في مختلف المجالات، بما يحقق مصالح الشعبين، ويخدم مستقبل مجلس التعاون الخليجي.

ومن أبرز ما حملته الزيارة التأكيد على المضي في تنفيذ مشروع المنفذ البري بين البلدين، الذي لا يمثل مجرد طريق يربط حدودًا جغرافية، بل يشكل شريانًا اقتصاديًا ولوجستيًا جديدًا يعزز حركة التجارة، ويدعم سلاسل الإمداد، ويفتح آفاقًا واسعة للاستثمار، ويمنح القطاع الخاص في البلدين فرصًا أكبر لبناء شراكات نوعية، تتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، ورؤية عُمان 2040.

كما عكست المناقشات الخاصة بالنقل والربط اللوجستي إدراكًا مشتركًا بأن المستقبل الاقتصادي للمنطقة يعتمد على التكامل، لا المنافسة، وعلى بناء منظومة خليجية مترابطة قادرة على استثمار موقعها الإستراتيجي الذي يربط بين أهم طرق التجارة العالمية.

وفي الجانب السياسي، اكتسبت الزيارة أهمية مضاعفة مع بحث مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها التطورات في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وقد جاء التأكيد المشترك على أهمية أمن الممرات المائية، وضمان حرية الملاحة، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ليجسد الموقف السعودي العُماني الداعي إلى معالجة التحديات بالحوار، وتعزيز الأمن الجماعي، وتجنب كل ما من شأنه تهديد الاقتصاد العالمي أو أمن الطاقة.

المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد، تنطلق في سياستها الخارجية من ثوابت واضحة تقوم على دعم الاستقرار، وتعزيز التعاون، وبناء الشراكات التي تحقق التنمية المستدامة، وهو النهج ذاته الذي يميز العلاقات مع سلطنة عُمان، الدولة التي تربطها بالمملكة علاقات تاريخية ومصالح إستراتيجية متنامية.

كما أن التركيز على تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، يعكس قناعة البلدين بأن الاقتصاد أصبح إحدى أهم أدوات تعزيز العلاقات السياسية، وأن التكامل الخليجي الحقيقي يبدأ من المشروعات المشتركة، والاستثمارات المتبادلة، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع ورؤوس الأموال.

وفي ظل التحديات التي تشهدها المنطقة، تبدو الشراكة السعودية العُمانية نموذجًا لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين الأشقاء؛ شراكة قائمة على الثقة، واحترام المصالح المشتركة، وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات وصناعة الفرص.

نتائج هذه الزيارة تؤكد أن العلاقات بين الرياض ومسقط تدخل مرحلة أكثر عمقًا واتساعًا، عنوانها التكامل الإستراتيجي، والتنمية المشتركة، والعمل الخليجي الموحد. وهي رسالة واضحة بأن دول الخليج قادرة، عندما تتوحد رؤاها، على حماية أمنها، وتعزيز اقتصادها، والإسهام بفاعلية في ترسيخ السلام والاستقرار في المنطقة والعالم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد