علي الخزيم
= العرب قبل الإسلام وبعده لهم رِفقة وِدِّيّة ومنفعية بالحيوان؛ غير أن الإبل والخيل عندهم قد اعتلت رأس السَّنام؛ فهي من كرام النَّعَم التي نالت عناية واهتمامًا فائقًا من العرب، بل إن أحدهم كان يفضل كرام الخيل على أولاده أو يساويها بهم؛ فلها منزلة وحظوة لا ترتقي إليها سائر أنعامهم؛ حتى بالمرعى تُخصّص لها مساحات محددة (المعذر) فلا يخالطها خيول أقل منها شأنًا لئلا تتكدر عندهم السلالات الكريمة النادرة الأصيلة، فمِمَّا نسب لابن عباس رضي الله عنه:
(إذا ما الخيل ضيعها أناس
ربطناها فأشركت العيالا
نقاسمها المعيشة كل يوم
ونكسوها البراقع والجلالا).
ولشداد العبسي في فرسه جروة:
(أقوتها بقوتي إن شتونا
وألحفها ردائي في الجليد).
= قديمًا كان العربي يصدح بشعره المتضمن وصفاً لحيوان كالخيل والذئب ونحوهما للموازنة بين أخلاقيات وطباع ذاك الحيوان مع بعض البشر، ثم إنهم أحيانًا يستعيرون صفات حيوان ما ـ حميدة أو ذمِيمة ـ للغرض المقصود من القصيدة مدحًا وهجاءً؛ وتقريب المعنى بصور شعرية فنية دلالية؛ ومنها ما يستند على ما تناقلته الأجيال من موروث ثقافي حول سلوك وطبائع وأوصاف بعض حيوانات البيئة المحيطة بهم، فقد ارتبط الحصان عند الذاكرة العربية بالفتوة والشباب والإقدام؛ فهي جزء من المثالية الأخلاقية التفاعلية المجتمعية القَبَلِية، وكثيرًا ما أقَرَّ الفرسان بأشعارهم للجَواد بالمشاركة بفرح الانتصار ومرارة الهزيمة، فمن بديع أقوال عنترة العبسي:
(فَازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ القَنَا بِلَبَانِهِ
وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ
لَوْ كَانَ يَدْرِي مَا المُحَاوَرَةُ اشْتَكَى
وَلَكَانَ لَوْ عَلِمَ الكَلَامَ مُكَلِّمِي).
= ويُرشّح النقاد امرأ القيس كأفضل مَن وصف الخيل من شعراء ما قُبَيل الإسلام؛ فقد أبدع برسم ما يحلو له من صفات جمالية خَلقِيّة تُكسِبها القوة والتحمل والمرونة والسرعة؛ وقيل: إنه جاء بأوصاف لم يسبقه عليها أحد من جيله، على أن هذا لا ينقص من قَدر وجَودة أشعار العرب؛ وتَمَكُّنهم من الإبداع وابتكار الصور الجمالية لخيولهم وإبلهم بصفة خاصة، أجَل: فهي رفيقتهم بالحرب والأسفار والتنقلات؛ تخدمهم بوفاء ومهارة عالية كأنها تعلم ما يقولون وتَصْدَع بما يأمرون؛ وفي هذا المعنى قال أُميّة بن أبي الصلت:
(وأرصـدنا لـريب الـدهر جرداً
تكون مـتونـها حصناً حـصيناً).
= وللإبل نصيب وافر من أوصاف العرب لحيواناتهم الكريمة النبيلة، وذاع صِيت (طَرفة بن العبد) وبلاغته بوصف الإبل؛ ويتضح من معلقته التي منها:
(وَإِنّي لَأَمضي الهَمَّ عِندَ اِحتِضارِهِ
بِعَوجاءَ مِرقالٍ تَروحُ وَتَغتَدي).
وفي وصف سرعة النّاقة قال شاعر عربي:
(مَرُوح برِجْلَيها إِذا هِي هَجَّرتْ
ويَمْنَعها من أَنْ تَطيرَ زِمَامُها)!

