عبد الله سليمان الطليان
قد تبدو المقارنة بين القاضي وحكم المباراة بعيدة للوهلة الأولى؛ فالأول يجلس على منصة القضاء للفصل في الخصومات، والثاني يقف في المستطيل الأخضر لإدارة منافسة رياضية. لكن عند التأمل في جوهر المهمتين، نجد أن كليهما يحمل رسالة واحدة، هي تحقيق العدالة، وإن اختلفت الساحة واختلفت طبيعة القرارات.
فالقاضي يحتكم إلى الأنظمة والقوانين للفصل بين المتخاصمين، بينما يحتكم حكم المباراة إلى قوانين اللعبة للفصل بين فريقين متنافسين. وكلاهما مطالب بالحياد، والعدل، والاستقلالية، وألا يسمح للعاطفة أو الضغوط أو الميول الشخصية بأن تؤثر في قراره.
غير أن الفرق بينهما يكمن في طبيعة الزمن المتاح لاتخاذ القرار. فالقاضي يملك الوقت الكافي لدراسة القضية، وسماع الأطراف، ومراجعة الأدلة قبل إصدار حكمه، بينما لا يملك الحكم في كثير من المواقف سوى ثوانٍ معدودة لاتخاذ قرار قد يغيّر نتيجة مباراة أو يحسم بطولة كاملة.
ولهذا جاءت التقنيات الحديثة، مثل حكم الفيديو المساعد، لتساعد الحكم على الوصول إلى القرار الأقرب للصواب، تمامًا كما أوجدت الأنظمة القضائية درجات للتقاضي والاستئناف، ضمانًا لتحقيق العدالة وتصحيح ما قد يقع من أخطاء.
ويشترك القاضي والحكم أيضًا في أنهما يعملان تحت ضغط دائم. فالقاضي قد يواجه ضغوطًا اجتماعية أو إعلامية، بينما يواجه الحكم احتجاجات اللاعبين، واعتراضات الأجهزة الفنية، وضجيج الجماهير. ومع ذلك، فإن نجاح كل منهما لا يقاس برضا الجميع، وإنما بمدى التزامه بالقانون ونزاهة قراره. فالعدل بطبيعته قد يرضي طرفًا ويغضب آخر، لكنه يبقى عدلًا متى استند إلى النظام والضمير.
ومن أخطر التحديات التي تواجه القضاء والتحكيم الرياضي اليوم، تراجع الثقة بسبب الخطاب الإعلامي المتسارع، وما يصاحبه من أحكام مسبقة. فكثيرًا ما تتردد اتهامات لقاضٍ بأنه خان أمانة القضاء دون سند صحيح، أو لحكمٍ بأنه انحاز إلى فريق بدافع التعاطف أو المصلحة أو حتى الرشوة. ولا شك أن أي تجاوز حقيقي يجب أن يخضع للمساءلة والمحاسبة، فالنزاهة ليست شعارًا، بل مسؤولية لا تقبل التهاون.
لكن في المقابل، فإن إطلاق الاتهامات دون دليل، أو تحويل كل قرار لا يوافق رغبة طرف إلى قصة فساد أو انحياز، يترك آثارًا تتجاوز الأشخاص إلى المؤسسات نفسها. فحين تهتز ثقة الناس في القاضي، لا تتضرر قضية واحدة، بل تتأثر هيبة القضاء بأكمله. وحين يفقد الجمهور ثقته في الحكم، لا تتوقف الخسارة عند نتيجة مباراة، بل تمتد إلى نزاهة المنافسة الرياضية وروحها.
ومن هنا، فإن مسؤولية وسائل الإعلام لا تقل أهمية عن مسؤولية القاضي أو الحكم. فالإعلام يؤدي دورًا مهمًا في كشف الأخطاء والتجاوزات عندما يستند إلى الأدلة والحقائق، لكنه يتحمل في الوقت ذاته مسؤولية كبيرة في إطلاق الاتهامات أو تأجيج الرأي العام قبل ثبوت الوقائع. فالكلمة قد تهدم ثقةً بُنيت عبر سنوات، وإعادة بنائها قد تستغرق زمنًا أطول بكثير.
ورغم التشابه الكبير بين المهمتين، يبقى هناك فرق جوهري؛ فحكم القاضي مسؤولية إقرار الحقوق، وقد تمتد آثاره سنوات طويلة، بينما يقتصر أثر قرار الحكم الرياضي على نتيجة مباراة أو بطولة، مهما بلغت أهميتها. إلا أن القاسم المشترك بينهما يظل واحدًا: أن العدالة لا تقوم إلا على النزاهة، والاستقلال، والشجاعة في اتخاذ القرار.
وفي النهاية، فإن المجتمع الذي يحترم القضاء هو ذاته الذي ينبغي أن يحترم التحكيم النزيه. فلا القاضي معصوم من الخطأ، ولا الحكم الرياضي بمنأى عنه، لكن العدالة لا تُقاس بعصمة البشر، بل بوجود منظومة تحاسب المخطئ، وتحمي النزيه، وتصحح الأخطاء، وتحافظ على ثقة الناس.
فالخطأ قد يقع، ويمكن معالجته، أما انهيار الثقة في العدالة فهو الخطر الأكبر؛ لأن العدالة لا تعيش بالقوانين وحدها، بل تعيش بإيمان الناس أن من يجلس على منصة القضاء أو يحمل صفارة التحكيم، لا يحكم إلا بضميرٍ حي، وعينٍ ترى الجميع بالميزان نفسه، وهي ثقتنا بهؤلاء.

