محمد سليمان العنقري
نبارك انتصار الخطاب الشعبوي لكل من يقتنع به وللشعبويين الذين راجت بضاعتهم أخيراً على حساب المعلومة الدقيقة، ولكل من يدعم نشر هذا النوع من الخطابات التي تحرك المشاعر والأهواء وليس العقل والمنطق، وهذه الحالة أصبحت ظاهرة عالمية تزيد أو تنقص من مجتمع لآخر، ساهم فيها وسائل التواصل الحديثة لسهولة النشر والوصول لأكبر شريحة، كما أن كل ما ينشر لا يخضع لتدقيق مهني يفلتر مثل هذه المعلومات بحيث لا يصل للناس إلا ما هو موثوق أو خضع للطرق التي يتم منها تقديم معلومة مؤكدة وبتحليل يوضح آثارها.
وقد يتساءل البعض ماهي المشكلة إذا قدم لنا خطاب نرى أنه يعبر عما نود أن نراه، أو يوصل رسالتنا أو رأينا؟ فالحقيقة أن المقصود ليس الرسالة التي تقال من واقع حقيقي ومبنية على معلومة مؤكدة وليس انطباعات أو بهدف الإثارة.
فالشعبوية تقوم فكرتها على طرح خطاب عاطفي يدغدغ مشاعر الجماهير ولا يكتفي بذلك بل يتضمن تقديم حلول بسيطة لملفات وتحديات معقدة، فملف تطوير التعليم لا تكاد دولة في العالم لا يشتكي مجتمع منه ويتعرض لانتقادات كبيرة، فكل بيت له ملاحظة على التعليم ويريد أن يفرض حلاً يناسب وضعه دون النظر للتكاليف والقدرات والإمكانيات أو لأهداف خطط التعليم ومواكبتها للعصر الحديث أو احتياجات سوق العمل، والأمر ذاته ينطبق على ملف الصحة وخدماتها أو القطاع البلدي أو أي نشاط خدمي، فإرضاء الناس غاية لا تدرك ولذلك يجد الشعبويون مساحة جيدة لكي تكون رسالتهم تنفيساً للبعض، بينما هي بعيدة عن الواقع والممكن. لكن لو سأل المتلقي نفسه هل من يطلق تلك الرسائل الشعبوية العاطفية متخصص أو لديه اطلاع أو عمل بالمجال الذي يتكلم عنه أو لديه مركز دراسات وأبحاث، ومن أي منطلق بنى تصوره، هل من معلومة سمعها من مجموعة بسيطة أو شخص ما لديه مشكلة خاصة لا يمكن اعتبارها قضية عامة؟ عندها سيتمكن من التمييز بين الحقيقة والشعبوية المضللة، كي يتخذ القرار الصحيح أو النظرة الواقعية لأي موضوع يطرح.
لكن إذا كان السؤال لماذا راج الخطاب الشعبوي فالجواب لأن الإعلام المهني غائب أو أصبح ضعيفاً، فكلما زادت المهنية بالإعلام تراجعت الشعبوية، فكل وسائل الإعلام لها دور كبير في تقديم المعلومة الصحيحة والنقد البناء من خلال التحقيقات الميدانية وكتاب الرأي أو البرامج التلفزيونية والإذاعية التي تركز على نقل الواقع وتحليله وتبيان ما عمل وأين أوجه القصور، وماهي الحلول العملية التي تأتي بالنتائج المناسبة لجل المجتمع، فالقرار الجيد بعلم الإدارة هو الذي يقلل من السلبيات أي لا يمكن لأي قرار أن يكون إيجابياً بالمطلق لكل المجتمع، أما الشريك الآخر في نقل المعلومة فهي مراكز الإحصاء وإدارات الإعلام والتواصل بالجهات الرسمية أو الشركات أو مؤسسات المجتمع المدني، بحيث تدعم السوق الإعلامي بكم كبير من البيانات والإيضاحات وتوفرها على حساباتها ومواقعها الرسمية لتيسير الوصول لها.
الخطاب الشعبوي «المضلل» ضرره كبير جداً؛ لأنه يؤثر في قرار المستثمر والمستهلك والباحث عن فرص بسوق العمل، أو من يرغب بالاتجاه لتخصص وهناك أمثلة كثيرة ينطبق عليها دور هذا الخطاب سلبياً بالمجتمعات، فالحل هو التوسع المستمر بالإعلام المهني بكل أطرافه وليس فقط وسائل الإعلام، فليس المطلوب الرد على كل منتقد أو من يطرح موضوعاً بقصد الإثارة، بل الاستمرار بنهج إعلامي مهني يتوسع بتعبئة الفضاء الإعلامي بالمعلومات والبيانات والتنوع بطرق نشرها فهو ما يحاصر الخطاب الشعبوي، وبالتأكيد لن يقضي عليه لكن يبقيه محدود التأثير.

