لم تكن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية محدودة في الزمان والمكان، بل كانت بمثابة اختبار استراتيجي واسع لمنظومات الأمن في الشرق الأوسط بأكمله. وإذا كانت القوى المنخرطة في الصراع قد سعت إلى قياس حدود القوة والردع لدى خصومها، فإن العالم العربي وجد نفسه مرة أخرى في موقع المراقب المتأثر أكثر من كونه فاعلًا مؤثرًا، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا ومتجددًا: أين يقف الأمن القومي العربي في معادلات القوة الإقليمية الجديدة؟ لقد كشفت الحرب عن حقيقة ربما كانت معروفة مسبقًا، لكنها ظهرت هذه المرة بوضوح غير مسبوق، وهي أن المنطقة العربية لا تزال تُدار أمنيًا باعتبارها ساحة للصراع وليست طرفًا مستقلًا فيه. فالمواجهة التي دارت بين واشنطن وتل أبيب وطهران جرت فوق فضاء جغرافي عربي، وهددت مصالح اقتصادية عربية، وأثارت مخاوف داخل المجتمعات العربية، لكنها لم تُدر وفق رؤية أو إرادة عربية مشتركة.
أولًا: غياب الاستراتيجية العربية المشتركة
كان أبرز ما كشفته الحرب هو الغياب شبه الكامل لمنظومة أمن قومي عربي فاعلة. فبالرغم من وجود اتفاقية الدفاع العربي المشترك ومؤسسات العمل العربي الجماعي، لم يظهر خلال الأزمة أي إطار عملياتي قادر على تنسيق المواقف أو إدارة المخاطر أو حماية المصالح الاستراتيجية المشتركة.
تعاملت الدول العربية مع الأزمة بصورة منفردة، وفق حساباتها الوطنية الضيقة ومصالحها الآنية، الأمر الذي جعل الاستجابة العربية تبدو مجموعة من السياسات المنفصلة لا سياسة إقليمية متماسكة. ولم يعد الخلل مقتصرًا على ضعف التنسيق العسكري، بل امتد إلى غياب تعريف عربي موحد لطبيعة التهديد ذاته؛ فبينما ترى بعض الدول أن إيران تمثل الخطر الرئيسي، تعتبر دول أخرى أن إسرائيل هي التهديد الاستراتيجي الأول، فيما تنظر أطراف ثالثة إلى الجماعات المسلحة العابرة للحدود باعتبارها الخطر الأكثر إلحاحًا.
إن غياب الاتفاق على تعريف التهديد يجعل من المستحيل تقريبًا بناء عقيدة أمنية عربية مشتركة أو تطوير نظام ردع جماعي قادر على العمل في أوقات الأزمات. وفي سياق الحرب التي بدأت في 28 شباط (فبراير) 2026، عقدت جامعة الدول العربية اجتماعات طارئة، لكنها لم تتجاوز الإدانات والدعوات للتهدئة، دون تنسيق عملياتي ملموس أو آليات مشتركة للحماية.
ثانيًا: حدود المظلة الأمنية الخارجية
ربما كان الدرس الأكثر قسوة هو اكتشاف حدود الحماية التي توفرها التحالفات الدولية. فقد اعتمدت العديد من الدول العربية لعقود طويلة على المظلة الأمنية الأميركية وعلى القواعد العسكرية الأجنبية باعتبارها الضمانة الأساسية للاستقرار الإقليمي، إلا أن الحرب الأخيرة أظهرت أن تلك الضمانات ليست مطلقة، وأن أولويات القوى الكبرى تخضع في النهاية لحساباتها الداخلية ومصالحها الاقتصادية والسياسية.
فقد بدا واضحًا أن قدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها ليست غير محدودة، وأن القرارات الاستراتيجية في واشنطن يمكن أن تتغير تبعًا للضغوط الاقتصادية أو الحسابات الانتخابية أو إعادة ترتيب الأولويات الدولية. وبذلك اكتشف كثير من الحلفاء العرب أن أمنهم الاستراتيجي يظل رهينة لتقلبات السياسة الأميركية أكثر مما هو نتاج لقدراتهم الذاتية.
كما أثارت الحرب تساؤلات إضافية حول مدى قدرة التقارب مع إسرائيل أو التحالفات الجديدة في المنطقة على توفير مظلة ردع حقيقية، خصوصًا عندما أصبحت بعض الدول العربية نفسها جزءًا من معادلة الاستهداف الإيراني بسبب تموضعها داخل شبكة التحالفات الإقليمية الجديدة. وتعرضت دول خليجية لصواريخ ومسيرات إيرانية، مما أدى إلى إصابات وأضرار في بنى تحتية، بالرغم من الدفاعات الأميركية.
ثالثًا: صعود الحروب الهجينة وانهيار مفاهيم الردع التقليدية
أظهرت الحرب أن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط قد تغيرت جذريًا. فلم تعد القوة العسكرية التقليدية وحدها هي العامل الحاسم، بل أصبحت الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية والأذرع الإقليمية أدوات قادرة على إحداث تأثيرات استراتيجية بتكاليف منخفضة نسبيًا.
وقد كشفت هذه التطورات هشاشة البنى التحتية الحيوية العربية أمام هذا النوع من الحروب؛ فالمطارات والموانئ والمنشآت النفطية ومحطات الكهرباء وشبكات الاتصالات باتت أهدافًا محتملة يمكن إصابتها بسهولة أكبر من أي وقت مضى، في حين أن كلفة الدفاع عنها تتجاوز في كثير من الأحيان كلفة الهجوم عليها بعشرات المرات.
كما برزت بوضوح ثغرات الأمن السيبراني والاستخباري، إذ أصبحت الحرب الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الفورية، بينما لا تزال القدرات العربية المشتركة في هذه المجالات محدودة وتعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا الأجنبية.
وفي سياق الحروب الهجينة، لم تعد الحرب مقتصرة على الأهداف المادية، بل امتدت لتشمل "حروب السرديات" وتزييف الوعي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لقد أصبحت الشعوب العربية ساحة لاختراق إعلامي ونفسي يهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي وإثارة الفتن المذهبية أو العرقية. لذا، يجب أن يتضمن الأمن القومي العربي استراتيجية "أمن مجتمعي" تحصن الجبهة الداخلية عبر تعزيز الهوية الوطنية والوعي الرقمي، مما يمنع القوى المتصارعة من توظيف الانقسامات المجتمعية كأداة ضغط استراتيجي. وأظهرت الحرب كيف يمكن للردود الإيرانية أن تستغل التوترات الداخلية في بعض الدول.
رابعًا: انكشاف الأمن الاقتصادي والطاقي
أثبتت الأزمة مرة أخرى أن الأمن الاقتصادي العربي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري. فمجرد التهديد بإغلاق أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز كان كفيلًا بإثارة اضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل التوريد وحركة الاستثمار والسياحة. وقد حدث ذلك فعليًا خلال الحرب، مما أدى إلى أزمة وقود عالمية وارتفاع أسعار الطاقة.
لقد كشفت الحرب أن الاقتصادات العربية ما تزال تعتمد بصورة كبيرة على ممرات بحرية محدودة وقابلة للتعطيل في أي مواجهة إقليمية واسعة، وأن استراتيجيات التنويع الاقتصادي لا تزال مرتبطة باستقرار بيئة جيوسياسية لا تملك الدول العربية السيطرة الكاملة عليها.
وبذلك أصبح واضحًا أن أمن الطاقة وأمن الغذاء وأمن التجارة البحرية ليست ملفات اقتصادية منفصلة، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.
خامسًا: غياب الردع العربي المستقل
بالرغم من ارتفاع الإنفاق العسكري العربي خلال العقود الأخيرة، فإن الحرب كشفت استمرار الفجوة بين حجم الإنفاق وحجم القدرة الاستراتيجية الفعلية. فالجزء الأكبر من هذا الإنفاق يذهب إلى شراء الأسلحة والأنظمة الدفاعية من الخارج، دون بناء قاعدة صناعية وتقنية محلية قادرة على إنتاج المعرفة العسكرية أو تطويرها.
كما أظهرت الأزمة ضعف الصناعات الدفاعية العربية المشتركة، واستمرار الاعتماد على المورد الأجنبي في الصيانة والتحديث والذخائر والتكنولوجيا الحساسة، وهو ما يحد من هامش الاستقلال الاستراتيجي في أوقات الأزمات الكبرى.
والنتيجة هي أن العالم العربي يمتلك قدرات دفاعية متفرقة ومتفاوتة، لكنه لا يمتلك حتى الآن قدرة ردع جماعية تجعل القوى الإقليمية والدولية تأخذ المصالح العربية المشتركة بالحسبان قبل اتخاذ قرارات الحرب أو التصعيد.
ولا يمكن الحديث عن استقلال استراتيجي دون الحديث عن "الأمن المعرفي". إن الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية هو في جوهره ضعف في السيادة. إن بناء ردع عربي حقيقي يبدأ من الاستثمار الضخم في البحث العلمي، وتوطين التكنولوجيا، ودعم مراكز الفكر (Think Tanks) العربية التي تقدم حلولًا استشرافية لصناع القرار، بدلًا من الاكتفاء برد الفعل تجاه المتغيرات التي يفرضها الآخرون. ويمكن تعزيز ذلك عبر شراكات تكنولوجية مع قوى صاعدة مثل الصين والهند.
سادسًا: المأزق النفسي والسياسي العربي
كشفت الحرب كذلك عن أزمة أعمق من الجوانب العسكرية والاقتصادية، وهي أزمة السردية السياسية العربية. فقد وجد الرأي العام العربي نفسه أمام معادلة معقدة؛ فهو لا يستطيع تأييد سياسات إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة، وفي الوقت نفسه لا يرى في المشروع الإيراني بديلًا قادرًا على تحقيق الاستقرار أو حماية المصالح العربية.
هذا الارتباك انعكس على الخطاب الإعلامي والسياسي والثقافي، وأنتج حالة من الانقسام والتردد، وهو ما أضعف قدرة العرب على صياغة موقف موحد أو رواية استراتيجية متماسكة أمام العالم.
سابعًا: الحاجة إلى دبلوماسية عربية استباقية
لم تكتف الحرب بكشف العجز العسكري أو الاقتصادي، بل سلطت الضوء أيضًا على غياب الدور الدبلوماسي العربي كـ"وسيط فاعل" في الأزمات الإقليمية الكبرى. فبدلًا من أن تكون العواصم العربية مراكز لصناعة الحلول وتهدئة التوترات، تحولت في كثير من الأحيان إلى مجرد منصات لتلقي تداعيات الصراع. إن تطوير أمن قومي عربي حقيقي يتطلب تفعيل أدوات الدبلوماسية الوقائية، القادرة على بناء مسارات حوار إقليمي مستقل يقلل من احتمالات التصعيد ويحيد المنطقة عن سياسة المحاور المتصارعة. وبرزت أهمية دور دول مثل عمان وقطر في الوساطة، لكنها ظلت فردية أكثر منها جماعية.
من أمن الدولة إلى الأمن الإقليمي التعاوني
لعل الخلاصة الأهم التي أفرزتها الحرب هي أن مفهوم الأمن القومي العربي بصيغته التقليدية لم يعد قادرًا على التعامل مع التهديدات الجديدة. فالحروب الحديثة لم تعد تعترف بالحدود السياسية، كما أن الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية والممرات البحرية تجعل أمن كل دولة مرتبطًا بأمن جيرانها بصورة أكبر من أي وقت مضى.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من مفهوم "أمن الدولة الوطنية المنعزل" إلى مفهوم "الأمن الإقليمي التعاوني"، القائم على التكامل الدفاعي والاستخباري والاقتصادي والتكنولوجي، وبناء قدرات عربية مشتركة في مجالات الإنذار المبكر والتصنيع العسكري والأمن السيبراني وحماية الممرات البحرية. ويمكن البناء هنا على تجارب التنسيق الدفاعي الخليجي الأميركي في مواجهة الهجمات. لقد كشفت الحرب الأخيرة أن المشكلة الأساسية ليست في نقص الموارد أو الإمكانات، بل في غياب الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية المشتركة. ويمكن اختصار الأزمة كلها في أربع كلمات أصبحت تختزل واقع الأمن القومي العربي اليوم: التجزئة، والاعتماد، والهشاشة، وغياب الردع المشترك.
علاوة على ذلك، يتطلب الوضع الراهن إعادة قراءة التحولات في النظام الدولي من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية. لم يعد الرهان على قوة عظمى واحدة (الولايات المتحدة) كافيًا، بل يستوجب الأمن العربي بناء شراكات استراتيجية متوازنة مع قوى صاعدة مثل الصين والهند، لضمان تنويع الخيارات الاستراتيجية وعدم بقاء المنطقة تحت رحمة تقلبات بوصلة سياسية واحدة.
وحتى يتم تجاوز هذه المعضلة، سيظل العالم العربي يدفع كلفة صراعات الآخرين أكثر مما يشارك في صناعة نتائجها.


