تواصل هيئة السوق المالية منذ تأسيسها عام 2003، جهودها الرامية إلى تطوير وتنظيم السوق المالية السعودية، وضبط إيقاعها بمختلف مكوناتها وتفرعاتها، وفي مقدمتها سوق الأسهم، من خلال منظومة متكاملة من التشريعات والإجراءات التنظيمية التي تستهدف تعزيز الشفافية، ورفع كفاءة السوق، وتعميقها، وتوسيع قاعدة المستثمرين، بما يواكب أفضل الممارسات العالمية ويعزز مكانة السوق المالية السعودية كإحدى أكبر الأسواق المالية في المنطقة.
وعلى خط موازٍ تقوم تداول السعودية والتي هي شركة تابعة ومملوكة بالكامل لمجموعة تداول السعودية، بجهود ملحوظة في تطوير السوق المالية السعودية، والتي أصبحت السوق الأكبر على مستوى منطقة الشرق الأوسط. كما وتقوم تداول بتزويد المشاركين في السوق بفرص استثمارية جذابة ومتنوعة.
ونتيجة لهذه الجهود، بلغت القيمة السوقية للسوق المالية السعودية نحو 9.44 تريليونات ريال سعودي كما في يونيو 2026، وارتفع عدد الشركات المدرجة في السوق الرئيسة «تاسي» إلى 270 شركة. كما وبلغ حجم التداول نحو 5.29 مليارات ريال سعودي، في حين سجّل المتوسط اليومي لقيمة التداول في السوق الرئيسة نحو 4.92 مليارات ريال سعودي، وأغلق مؤشر السوق الرئيسة «تاسي» عند مستوى 10,799.92 نقطة.
وعلى الرغم من أن هذه المؤشرات تعكس حجم السوق المالية السعودية ومكانتها، فإن مستويات السيولة وقيم التداول اليومية لا تزال دون المستوى المأمول، الذي يتناسب مع حجم الاقتصاد السعودي، والذي يُعد الأكبر عربيًا بناتج محلي إجمالي اسمي يقارب 4.8 تريليونات ريال بنهاية عام 2025، فضلًا عن كون المملكة الدولة العربية الوحيدة العضو المؤسس في مجموعة العشرين (G20). كما أن متوسط قيم التداول اليومية لا يعكس بصورة كافية عمق السوق وقيمتها السوقية، ولا التطورات التشريعية والتنظيمية التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة. ويشير ذلك إلى استمرار حالة من الحذر لدى شريحة من المستثمرين، بما يستدعي مواصلة العمل على استحداث محفزات نوعية تعزز الثقة، وتجذب مزيدًا من السيولة المحلية والأجنبية، وترفع كفاءة السوق، بما ينسجم مع مكانتها الاقتصادية ودورها المحوري في تمويل النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الاستثمار.
وفي هذا السياق، تتباين آراء المحللين الماليين بشأن أسباب انخفاض مستويات السيولة وقيم التداول اليومية في السوق المالية السعودية. فبينما يعزو فريق منهم يعزوا ذلك إلى هجرة جزء من رؤوس الأموال المستثمرة في السوق السعودي، إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك أسواق السندات، بحثًا عن عوائد استثمارية أعلى في ظل ارتفاع أسعار الفائدة العالمية على السندات مقارنة بحجم المخاطر، في حين فريق آخر أن جانبًا من المشكلة يرتبط بالتركيبة الهيكلية لبعض الشركات المدرجة في السوق، ولا سيما فيما يتعلق بآليات تسعير الطروحات الأولية وعلاوات الإصدار التي تُحدد لبعض الشركات عند الإدراج. ويذهب هؤلاء إلى أن المبالغة في تقييم بعض الطروحات تنعكس سلبًا على أداء السهم بعد الإدراج، إذ تتراجع أسعاره عقب انتهاء موجة المضاربة وجني الأرباح خلال الأيام الأولى للتداول، الأمر الذي قد يؤثر في ثقة المستثمرين ويحد من تدفق السيولة إلى السوق.
كما لا يمكن استبعاد أثر المخالفات المرتبطة بالإفصاح والبيانات المالية، وما قد تكشفه الجهات الرقابية من حالات تلاعب أو تضليل في النتائج المالية لبعض الشركات المدرجة، على مستوى ثقة المستثمرين. فسلامة الإفصاح المالي تُعد أحد أهم مرتكزات كفاءة الأسواق المالية، وأي إخلال بها ينعكس سلبًا على قرارات المستثمرين، ويزيد من حالة الحذر، وقد يسهم في تراجع مستويات السيولة والتداول، ولا سيما لدى المستثمرين الأفراد. وفي المقابل، فإن سرعة اكتشاف هذه المخالفات واتخاذ الإجراءات النظامية بحق مرتكبيها تعزز من مصداقية السوق وكفاءة منظومتها الرقابية، وترسخ الثقة في البيئة الاستثمارية على المدى الطويل.
ومن العوامل التي لا يمكن إغفالها أيضًا، جاذبية الأداء القوي الذي حققته بعض الأسواق العالمية خلال الفترة الأخيرة، إذ سجلت مؤشرات رئيسة مستويات قياسية جديدة غير مسبوقة، الأمر الذي دفع شريحة من المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية، وتوجيه جزء من استثماراتهم نحو تلك الأسواق بحثًا عن عوائد رأسمالية أعلى. وفي المقابل، ظل مؤشر السوق الرئيسة (تاسي) يتحرك خلال الفترة الماضية في نطاق عرضي يتراوح بين 10,000 و11,000 نقطة، في ظل محدودية المحفزات وقوة مستويات المقاومة، وهو ما قد يكون أسهم في تراجع شهية بعض المستثمرين الباحثين عن فرص نمو أسرع، دون أن ينتقص ذلك من قوة الأساسيات الاقتصادية التي تستند إليها السوق المالية السعودية أو من الإصلاحات التنظيمية التي تشهدها.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن استمرار هيئة السوق المالية في مراجعة الأطر التنظيمية للطروحات الأولية، وتعزيز كفاءة آليات التسعير، إلى جانب تطوير متطلبات الإفصاح، ولا سيما ما يتعلق بالإفصاح عن المعاملات مع أطراف ذوي العلاقة، من شأنه أن يعزز مستويات الشفافية والحوكمة، ويحسن من جودة المعلومات المتاحة للمستثمرين. كما أن تعزيز الإطار التنظيمي لاجتماعات الجمعيات العامة للشركات، بما يضمن مشاركة أكثر فاعلية وحيادية وموضوعية للمساهمين، ويعزز جودة النقاشات، ويكفل مساءلة مجالس الإدارات والإدارة التنفيذية بصورة أكثر كفاءة، من شأنه أن يسهم في حماية حقوق المستثمرين، وتحقيق عدالة التقييمات، ورفع كفاءة السوق، واستعادة ثقة المستثمرين، واستقطاب مزيد من السيولة المحلية والأجنبية على المدى المتوسط والطويل.

