: آخر تحديث

رونالدو.. انكسارات الأحلام وتهدم الروح

3
5
2

شعرت بحزن شديد وأنا أتابع نهاية تلك اللحظات الفاصلة لمباراة البرتغال وأسبانيا؛ كنت تائهاً مع المشهد التراجيدي، بكاء رونالدو والألم الذي يعتصر قلبه وملامحه. كان رونالدو في تلك الأثناء غائباً في هشاشته وانكساراته الداخلية الأشد قسوة. لم يكن المشهد اعتيادياً لرجل يخسر مباراة، كان أعمق من ذلك بكثير؛ طبقات متراكمة من الخيبات والهزائم الروحية. هذا الرجل الذي جرب سفوح النجاحات الكبرى والنجومية حتى بات الأسطورة الأبرز في تاريخ كرة القدم الحديثة، غير أنه عجز في النهاية عن أن يأخذ منتخب بلاده كفتاة حسناء إلى لحظة الزفاف الكبرى أمام العالم.

نسي العالم في تلك اللحظة. بكل جماهيره وإعلامه، المباراة والتحليل، وكان كل شيء مسلطاً على وجه رونالدو؛ على الصمت المطبق، ودموع الخيبة، وألَم الرحيل التدريجي من قمة عالم النجومية، دون أن يحقق ذلك الحلم الذي ظل ينمو في شبابه وانتصاراته، وفي طموحاته التي لا تحدها حدود.

وهكذا هي تصاريف القدر؛ نركض خلف المعجزات، نقفز فوق حواجز العمر، نصل إلى مشارف المستحيل، لكننا نصطدم دائماً بذلك الجدار الخفي الذي يقف بيننا وبين ذروة أحلامنا. ثمة حكمة غامضة خلف هذا الحرمان، حكمة سماوية قد لا تدركها عقولنا المنهكة في لحظة الانكسار؛ فربما كان هذا المنع هو الرحمة الأخيرة التي تحمي أرواحنا من التلاشي لو أننا بلغنا الكمال البشري، وربما كان انكسار الحلم في منتصف الطريق هو الحارس الذي يحفظ إنسانيتنا  من أن يشوّهها طغيان الانتصارات.

ما يجعلني أتعاطف مع رونالدو في تلك اللحظة، أن "كريس" كان انعكاساً لدواخلنا وحياتنا جميعاً حين ننهار أمام خيبات الأيام، وتكسر الأحلام، وتمزق الطموح. حين نشعر أننا بذلنا صحتنا، وأعمارنا، وأرواحنا في سبيل مبتغىً ما، لكنه يضيع من بين أصابعنا في اللحظة الأخيرة. تلك اللحظة التي لا نرى فيها شيئاً سوى ذلك النحيب الداخلي الصامت. وهو ما حدث مع رونالدو؛ بعد الصافرة، لم يكن يشعر أنه يقف على العشب الأخضر، لم يعد يسمع صخب الجماهير ولا ضوضاء الكاميرات التي تقترب لترصد لحظة انكساره كألم إنساني فريد وحكاية ملهمة.

هذه هي حكاية الأسطورة الذي هزمه الوقت، الأسطورة الذي تنقّل بين القارات ليظل بروحه المتقدة وشغفه الطفولي. وفي كل مرحلة، كان يعد روحه، يهيئ بيته وأثاثه الداخلي، وفي لحظاته الأكثر رومانسية يهمس لشريكة رحلته "جورجينا" عن ذلك العشق، عن التتويج الذي يزوره في أحلامه، في صمته وعزلته، وحين يستعيد ذكريات المدن التي سحرها بركضه؛ من ضباب "مانشستر" إلى صخب "مدريد" و"تورينو"، وصولاً إلى "الرياض" حيث يواصل عناده مع الزمن.

في تلك اللحظة التي كان غائباً فيها في تهدماته الداخلية، كان شريط حياته يمر أمامه سريعاً وبقسوة: تلك الطفولة البائسة في جزيرة "ماديرا" النائية، حيث كان الفقر يطوق العائلة، والغرفة الضيقة التي تقاسمها مع إخوته، ووجه أمه الطاهرة التي كافحت ليظل على قيد الحياة، وصورة والده الراحل الذي غيبه الموت مبكراً ولم يشهد مجد ابنه. مر أمامه بكاؤه القديم وهو طفل غض في شوارع "لشبونة" حين كان ينهشه الشوق والاغتراب، ثم توالت الصور: خيباته وصراعاته في أوروبا، الحروب النفسية التي تعرض لها من الإعلام، وانتقاله الأخير إلى "النصر" كفصل جديد من فصول التحدي.

كان يرى كل شيء يتكسر أمامه ببطء، وكأن في الخلفية أصوات ضجيج تمتزج بكمان حزين يتكسر مع صوت البيانو الذائب في ملكوت التيه والضياع.

نعم، قد يغادر رونالدو يوماً الحلبة حزيناً، متألماً، ومنكص الرأس في نظر الأرقام، لكنه سيترك في قلوب الملايين من عشاقه حكاية ملهمة لا تموت؛ حكاية تقوم على الشغف الخالص، العشق، الطموح، والأمل والكفاح المستميت. سيترك درساً مفاده أن الحياة تستحق أن نقاتل فيها حتى آخر رمق، وحتى آخر ضوء، حتى وإن خذلتنا الطرق، وعاندتنا الظروف، وتآمرت ضدنا الأيام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.