: آخر تحديث

السودان بين الإقصاء والحوار

4
4
4

يتفق كثير من السودانيين على أن الحوار السوداني – السوداني يمثل المسار الأكثر واقعية لإنقاذ البلاد من أزمتها الراهنة. فبعد سنوات من الاستقطاب الحاد والانقسامات، ثم الحرب التي عمّقت الجراح ووسّعت دائرة الدمار والنزوح، أصبح من الواضح أن استمرار الرهان على الإقصاء لن يقود إلا إلى إطالة أمد الأزمة وتعقيد فرص الوصول إلى سلام مستدام.

إن أي حلّ قابل للحياة لا بد أن يكون نابعاً من الداخل، ومملوكاً ومُداراً من قبل السودانيين أنفسهم، مع اقتصار دور المجتمعين الإقليمي والدولي على الدعم والتيسير والمساندة. فهذه ليست مجرد مسألة سيادة وطنية، وإنما هي أيضاً شرط أساسي لنجاح أي تسوية سياسية.

إن الاستقرار الدائم لا يتحقق إلا عبر عملية سياسية تعكس الواقع السوداني بكل تعقيداته، وتأخذ في الاعتبار مصالح الشعب السوداني قبل مصالح أي طرف آخر. ومن هنا، فإن السلام المستدام لا يمكن أن يكون نتاج تفاهمات بين نخبة محدودة، بل ينبغي أن يُبنى على حوار حقيقي وشامل بين القوى السياسية والمدنية والمجتمعية الفاعلة، بما يتيح الوصول إلى توافق وطني واسع حول مستقبل الدولة ونظام الحكم.

ويقتضي ذلك أن يصبح الحوار هو الآلية الأساسية لإدارة الخلافات السياسية، سواء في تشكيل حكومة انتقالية أو في رسم خريطة الطريق نحو استعادة النظام الدستوري. غير أن العقبة الأساسية أمام هذا المسار تتمثل في تمترس بعض الأطراف خلف مواقف إقصائية، تتجاهل حقائق الأزمة وتعقيداتها. فقد كانت سياسة الإقصاء أحد أبرز أسباب تعثر الفترة الانتقالية، وأسهمت في خلق المناخ الذي انتهى بالحرب. واليوم، لا تزال العقلية نفسها تعرقل فرص حوار سوداني – سوداني ذي معنى، لأن الإقصاء لا ينتج شراكة، بل يولد مزيداً من الانقسام وعدم الثقة.

ومن هنا، فإن جميع القوى السياسية لا بد أن تكون ملتزمة بمبدأ الحوار والتشاور، باعتباره السبيل الوحيد لتجاوز الأزمة. ففكرة الإقصاء تتناقض جوهرياً مع مفهوم «الحوار الشامل» وشعار «الحوار السوداني – السوداني». كما أن أياً من القوى السياسية لا يملك تفويضاً شعبياً يخوله حق تقرير من يشارك، ومن يُستبعد من الحياة السياسية. فهذه السلطة لا يملكها إلا الشعب السوداني عبر انتخابات حرة ونزيهة، أما القوى السياسية فمهمتها التنافس وفق قواعد ديمقراطية متفق عليها، لا احتكار المشهد أو إقصاء المنافسين.

لقد أثبتت التجارب أن منطق «كل شيء أو لا شيء» لا يصنع حلولاً، بل يدفع الجميع نحو طريق مسدود. والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه الجميع على أنفسهم هو: هل يمكن بناء دولة مستقرة وديمقراطية بعقلية تقوم على الإقصاء؟ إن الإجابة تبدو واضحة في ضوء التجربة السودانية ذاتها، التي تؤكد أن أي عملية سياسية تتبنى الإقصاء تحمل في داخلها بذور أزمة جديدة، وإن بدت ناجحة في بدايتها.

ولهذا، فإن الحوار الحقيقي ينبغي أن يكون شاملاً، لكنه في الوقت نفسه قائماً على مبادئ واضحة وملزمة لكل المشاركين. فالشمول لا يعني غياب الضوابط، وإنما يعني أن باب المشاركة مفتوح لكل من يقبل بأسس العملية السياسية ويلتزم بها. ومن أهم هذه المبادئ: الالتزام بالتداول السلمي الديمقراطي على السلطة، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وصون مؤسسات الدولة، وضمان استقلال القضاء وسيادة حكم القانون، وتحقيق العدالة والمحاسبة عن جرائم الحرب والفساد والانتهاكات، مع التأكيد على المبدأ الأساسي المتمثل في حصر السلاح في يد الدولة، وألا توجد أي قوات مسلحة خارج إطار المؤسسة العسكرية الوطنية.

انطلاقاً من هذه المبادئ، يمكن للحوار أن يضع الأسس اللازمة لاستعادة الشرعية الدستورية وبناء نظام سياسي مستقر، وذلك عبر الاتفاق على قواعد الحكم خلال المرحلة الانتقالية، وإنشاء مفوضية مستقلة للانتخابات، وإقرار وثيقة للحقوق والحريات، وتنظيم الحياة الحزبية، وإعداد سجل انتخابي موثوق، وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة تُمكّن الشعب السوداني من اختيار من يحكمه، مع إمكانية الاستفادة من الإشراف الدولي لتعزيز الثقة في العملية الانتخابية.

كما ينبغي أن يتناول الحوار معالجة جذور الأزمات التاريخية التي ظلت تغذي عدم الاستقرار، والاتفاق على الأساس الدستوري للفترة الانتقالية. ولأنه يتعذر وضع دستور دائم في هذه المرحلة، باعتبار أن ذلك من اختصاص برلمان منتخب، فإن العمل بالدستور الانتقالي لعام 2005، بعد إدخال أي تعديلات لازمة عليه، قد يمثل حلاً عملياً ومؤقتاً إلى حين اكتمال المؤسسات المنتخبة. ولا يقل عن ذلك أهمية وضع رؤية وطنية لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي وإعادة بناء مؤسسات الدولة والمجتمعات التي مزقتها الحرب.

إن نجاح الحوار السوداني – السوداني لن يقاس بمجرد انعقاده، وإنما بقدرته على إنتاج توافق وطني واسع يؤسس لسلام دائم ودولة مستقرة. فالسودان لن يخرج من أزمته بإملاءات الخارج، بل بإرادة أبنائه، وبحوار صادق يضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الحزبية والرهانات الضيقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد