هنالك أيام جنائزية ووجدانية ارتبطت خلال سبعة عقود بقامات سياسية وقيادية عربية وإسلامية عايشتُ، كما صحافيين كثيرين، تفاصيلها ميدانياً، وتابعتُ سمعاً وبصراً ما لم تتسنَّ لي الظروف معايشته. ومن حق أجيال عربية لم تتسنَّ لها، لصغر السن ثم لتراكم الأحداث وتطورات الصراع، الإحاطة بملامح تلك المرحلة بين الخمسينات والسبعينات، وصولاً إلى أحدث الأيام الجنائزية المتمثلة بالتشييع الملاييني للمرشد علي خامنئي، الذي استُشهد مع أفراد من عائلته وثلة من الجنرالات بعدوان أميركي – إسرائيلي يوم السبت 28 شباط 2026.
وقبْل هذا التشييع المهيب في طهران ومدن إيرانية وكربلاء، كان هنالك التشييع المهيب للأمين العام السيد حسن نصرالله، الذي كان استشهاده مع نخبة من القياديين بعدوان إسرائيلي خلال اجتماع في مقر أمكن إسرائيل اكتشافه. والرحيل المأساوي للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، ثم للسيد حسن، فالمرشد علي خامنئي، وكما لا مثيل لمأسويته في عالم الرؤساء والقادة الراحلين من العرب والمسلمين، يجعلنا نحيط هذه الأجيال، بما ييسّر المعرفة، بحالات جنائزية لافتة، وبعضها من حيث ظروف الرحيل وطبيعة التشييع ونوعية الحزن.
قبْل أحدث الأيام الجنائزية الوجدانية المتمثلة بتشييع المرشد علي خامنئي، كانت هنالك ثلاث حالات لافتة: أولاها تشييع الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود يوم الإثنين 9 تشرين الثاني 1953، تليها حالة تشييع الرئيس جمال عبدالناصر يوم الإثنين 28 أيلول 1970، ثم حالة تشييع الإمام الخميني يوم الجمعة 5 حزيران 1989، فتشييع جنازة الرئيس المغدور رفيق الحريري.
كان تشييع الملك عبدالعزيز وجدانياً من شعب المملكة، وكانت مشاعر الحزن في النفوس قد بدأت منذ إعلان وفاته صباح يوم الإثنين 9 تشرين الثاني 1953 في الطائف، إثر تفاقم وضعه الصحي الذي دام شهراً كاملاً. ولشعور من الملك عبدالعزيز بأن ساعة الرحيل اقتربت، ولا يريد أن تكون وفاته في غير تراب أرض الدولة التي ناضل من أجْلها بفروسية ووحَّدها بعزيمة، فإنه رفض نقله إلى دولة أجنبية، والتسليم بما هي إرادة الله، مردداً القول للأبناء الذين أحاطوه بالأدعية وبما تيسر تلاوته من الآيات، وهو في الحالة الصحية الحرجة: "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".
في الرياض، التي نُقل جثمان الملك عبدالعزيز بالطائرة إليها من الطائف، كان الحزن الوجداني شاملاً الجميع، وفي منأى عن طقوس كتلك التي واكبْنا حدوثها في تشييع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، وقبْل ذلك تشييع قاسم سليماني، وقبلهما تشييع الإمام الخميني. فقد سجلت ثقافة التشييع الإيرانية حالات كثر فيها اللطم على الصدور، وبكاء الرجال كما النساء، وتحولت الجثامين إلى مقاصد للتبرك بها. وبذلك لم يعد واضحاً ما إذا كان التشييع حالة وجدانية أم هو عرض جنائزي مثْل العرض العسكري.
مثْل هذه المظاهر - التقاليد لم تحدث يوم تشييع الملك عبدالعزيز. كما أن القادة العرب والمسلمين الذين أتوا لتقديم التعازي لم يحوِّلوا المناسبة الحزينة إلى التحادث في الأمور السياسية على أنواعها. وهذا بدا واضحاً في طليعة المعزين: الرئيس السوري شكري القوتلي، وقبْله العقيد أديب الشيشكلي، والبكباشي الثلاثيني جمال عبدالناصر، موفداً من الرئيس محمد نجيب. وحتى الرئيس الأميركي أيزنهاور، فإنه ركز في برقية التعزية المتميزة على صدق مشاعر رئيس البيت الأبيض في تعاطيه مع الدول الصديقة، وهو تعاطٍ حافظ عليه الملوك الأبناء، فيما أكثرية الإدارات الأميركية التي أعقبت إدارة أيزنهاور لم تكن بالمأمول حدوثه. وقد تكون حاضرة في البال أوجه الشبه في الرؤى وفي البطولة ومبدئية المواقف، فضلاً عن تأثُّر أيزنهاور، الرئيس الرابع والثلاثين، بأجواء اللقاء التاريخي بين الملك عبدالعزيز والرئيس الأميركي الثاني والثلاثين فرانكلين روزفلت على ظهر طرَّاد في البحيرات المرة يوم 15 شباط 1945. ومثْل هكذا تأثُّر يحدث عندما تكون صفة المبدئية والعمل الوطني وبناء الدولة وصيانتها هي الجامع المشترك بين قادة.
كانت الأمة العربية والإسلامية على موعد مع حضور متميز في المشهد العربي - الدولي لو لم يفاجئ المرض الملك عبدالعزيز، ذلك أنه عملياً كان في الثالثة والسبعين عندما توفي، وهي سن شبابية، كما أنها كذلك قياساً، على سبيل المثال، بسن الرئيس الأميركي الحالي ترمب، والسابق جو بايدن، الذي خاض بمشقة وتخبط ورهانات معركة تجديد الولاية الرئاسية أمام الرئيس السابق ترمب، الذي لم يكن وما زال عند حسن ظن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده محمد بن سلمان، في ضوء الحفاوة به في الرياض وغير المسبوقة لغيره من رؤساء أميركا ودول العالم، باستثناء رئيس الصين شي جين بينغ، الذي هو جدير بامتياز بحفاوة ولي العهد الأمير محمد به في المملكة.
وتبقى جنازة الرئيس جمال عبدالناصر يوم الإثنين 28 أيلول 1970، التي أوجبت ظروف العمل الصحافي أن أشارك فيها، هذه الجنازة المليونية التي تجمع بين الحزن الوجداني وبعض ممارسات الحزن الشعبي على الرئيس الذي رحل في عز شبابه، 52 سنة، بعد توعُّك مفاجئ أصابه وهو يودِّع أمير الكويت في المطار، ولا يمهله هذا التوعك سوى بضع ساعات توفي على أثرها وهو ممدد على السرير في منزله، بمثابة الجامع المشترك بين وجدانية تشييع جنازة الملك عبدالعزيز، وبكائية ولطم وهتافات جنازة حسن نصرالله، ثم جنازة علي خامنئي، وقبْل ذلك جنازة الإمام الخميني.
... وللرعية في تشييع جنازات أسياد القوم في الأمتين العربية والإسلامية مفاهيم ومشاعر دفينة. رحمة الله على الجميع.

