: آخر تحديث

البحر الأبيض المتوسط الكتلة الغائبة

3
3
3

التَّكتلُ السياسي تجمُّعٌ يضمُّ مكوناتٍ دولية لها مشتركاتٌ تأسيسية متنوعة. يتكوَّن في مراحلَ مختلفةٍ على أساس جغرافي وآيديولوجي وديني أو قومي وغيرها. في ثمانينات القرن الماضي شهد العالم تطورات سياسية، أهمها تآكل الكتلة الشيوعية وبداية انهيار الاتحاد السوفياتي. منطقة الشرق الأوسط، التي سكنها الصراع عقوداً طويلة، شهدت منعرجاً مهمّاً بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وظهور الحركات المتطرفة في المنطقة، ارتفعت أصوات أوروبية متوسطية، تدعو إلى تخليق إطار للتعاون بين دول ضفتي البحر الأبيض المتوسط. فرنسا وإيطاليا كانتا الدولتين الأكثر حماساً للمشروع. بدأ حوار مشروع 5+5 المتوسطي رسمياً في شهر أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1990 عندما عُقد أول اجتماع لوزراء خارجية الدول المشاركة في المشروع بروما. التقى في هذا الاجتماع التأسيسي التعاوني عشر دول من غرب البحر الأبيض المتوسط. من الضفة الشمالية: إسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والبرتغال ومالطا، ومن الضفة الجنوبية: موريتانيا والمغرب، والجزائر، وتونس وليبيا. قيام الاتحاد المغاربي سنة 1989 شكَّل دفعة عملية قوية للمشروع المتوسطي. تواصل الحوار بين الأطراف من أجل تفعيل التعاون في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد والهجرة والبيئة، وغيرها من القضايا المشتركة بين أطراف المنتدى المتوسطي.

اختلفت درجات الحماس لهذا المشروع الإقليمي الواعد، من دولة إلى أخرى. في الجانب الأوروبي، كانت فرنسا وإيطاليا تدفعان بقوة إلى تكريس التعاون وتوسيعه بين أطرافه في جميع المجالات الحيوية، ومن الجانب العربي، كانت تونس ومعها المملكة المغربية، تدفعان بقوة لأن يكون هذا المشروع الغرب متوسطي كتلة لها فاعلية بينية وإقليمية ودولية. الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي كان يعتقد أن هذا المشروع سيكون بالنسبة لدول شمال أفريقيا بمثابة مشروع مارشال الأميركي لدعم دول أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، في حين كان لكل من الجزائر وليبيا تحفظات سياسية وأمنية واقتصادية، بل إن أصواتاً سياسية وإعلامية في البلدين عدّت المشروع الغرب متوسطي لوناً من ألوان الاستعمار الجديد. في إيطاليا كان الحماس للمشروع لا حدود له، واتفقت عليه كل الأطراف السياسية بما فيها اليمين واليسار، وخاصة الشخصية السياسية الإيطالية البارزة جوليو أندريوتي، وهو أحد قادة الحزب الديمقراطي المسيحي الذي أسهم في حكم الدولة عقوداً طويلة، حيث ترأس سبع حكومات، وتولى عشرات الحقائب الوزارية، وعُيّن عضواً بمجلس الشيوخ مدى حياته.

كان جوليو أندريوتي سياسياً مخضرماً، عمل مع القيادي السياسي الديمقراطي المسيحي البارز الدو مورو على توثيق العلاقات مع الدول العربية، وبناء سياسة متوسطية تكرس التعاون والسلام بين دوله. جوليو أندريوتي انتهج سياسة داعمة للقضية الفلسطينية، ودافع عن ليبيا علانية ومن دون تحفظ أو تردد، حتى في خلافاتها ومواجهاتها مع الولايات المتحدة. في إحدى زياراته إلى الولايات المتحدة، في عهد الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ريغان، الذي كان شديد العداوة للعقيد معمر القذافي، حاول أندريوتي أن يقنع ريغان بمراجعة سياسته نحو ليبيا، وأن يبدأ حواراً مع القذافي، وقدم له نسخة باللغة الإنجليزية من «الكتاب الأخضر» للعقيد معمر القذافي، ولكن ريغان رفض أن يتسلم الكتاب وقال: حتى أدولف هتلر ألَّف كتاب «كفاحي»، وماو تسي تونغ كتب «الكتاب الأحمر». الشخصية السياسية الإيطالية الكبيرة البارزة التي عملت على تكريس وتوسيع التعاون بين دول غرب المتوسط، وخاصة الدول العربية ودعمت القضية الفلسطينية، كان زعيم الحزب الاشتراكي الإيطالي بتينو كراكسي، وكان رئيساً للحكومة الإيطالية سنة 1985، عندما قام مسلحون فلسطينيون بخطف السفينة السياحية الإيطالية أكيلي لاورو، واحتجزوا طاقمها وركابها وقتلوا راكباً أميركياً يهودياً. بعد مفاوضات تم الاتفاق على نقل الخاطفين الفلسطينيين إلى القاهرة، على متن طائرة مصرية، إلا أن مقاتلات أميركية اعترضت الطائرة التي تنقل الفلسطينيين، وأرغمتها على الهبوط في قاعدة سيغونيلا العسكرية الأميركية بإيطاليا. رفض رئيس الحكومة كراكسي السماح للقوة العسكرية الأميركية بالقبض على الفلسطينيين، وتسبب موقفه في توتر داخل الحكومة الائتلافية، ومع الولايات المتحدة، لكنه أصر على موقفه. استقبل كراكسي ياسر عرفات أكثر من مرة في مقر رئاسة الحكومة بروما، وفتح سفارة لمنظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة الإيطالية. في فرنسا كان رئيس الوزراء الأسبق جاك شيراك، داعماً قوياً للمشروع الغرب متوسطي، وقدَّم خطة عاملة للتعاون في مجال التعليم والصحة والبنية التحتية والاستثمار، ودعم مشروعات التنمية في دول الجنوب. رغم جدية وحماس بعض الأطراف في الجانبين للمشروع، فإن الشكوك والتردد من البعض الآخر أدَّيا إلى تآكله.

بعد وصول الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه، طلب دعماً للمشروع المتوسطي من دول الاتحاد الأوروبي، لكن بعض دول الاتحاد رفضت ذلك، بحجة أن مشروع 5+5 لا يعني الاتحاد الأوروبي، فقام بإعطائه عنواناً جديداً وهو «الاتحاد من أجل المتوسط» وأضاف له مصر، والأردن، وإسرائيل، واليونان ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكانت تلك نهاية مشروع الغرب المتوسطي.

كان ذلك المشروع من الفرص الضائعة، الذي كان بإمكانه أن يشكل رافعة عملية للتنمية والاستقرار في المنطقة، وأن يؤسس لتكتل يفتح باباً لضفة البحر الأبيض المتوسط الجنوبية لدخول عصر تنمية وتطور في مجالات واسعة، وخاصة البنى التحتية والتعليم ومواجهة الهجرة غير النظامية، وإقامة كتلة لها وزن إقليمي ودولي فاعل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد