في عز التراشقات والتجاوزات التي يعيشها الوسط الفني في مصر، والمعركة حامية الوطيس التي تورط فيها العديد من النجوم والنجمات، سارع نقيب المهن التمثيلية الدكتور أشرف زكي بإصدار بيان يشجب فيه كل من تنابزوا بالأرقام، بعد أن احتدمت المعركة أكثر، ليطعن كل منهم في أرقام الآخرين، كلمة من هنا وأخرى من هناك، وعلى طريقة الأفراح الشعبية شاهدنا من يقذف «كرسياً في الكلوب»، يطفئ النور مردِّداً على طريقة شمشون الجبار: «علي وعلى أعدائي» يهدم المعبد على رؤوس الجميع، النسبة الأكبر مما تقرأه أو تتابعه من أحاديث النجوم هو تنويعات على شمشون الجبار.
أكَّد أشرف في البيان أن تلك المعارك تنال من قيمة الفن المصري عبر التاريخ، لا أتصور أن الأمر كذلك، تلك المشادات، ومع اختلاف الأسماء، شاهدنا مثلها مئات المرات، ولم يكن الأمر قاصراً فقط على الوسط الفني، حيث عاش الوسط الأدبي جانباً منها.
مثل معارك طه حسين وعباس محمود العقاد، وقبلهما كان الشاعران أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وتابعنا ضربات قاسية بين أم كلثوم وعبد الوهاب، وقبلها بين أم كلثوم ومنيرة المهدية، واستخدمت منيرة سلاح الصحافة لتوجيه قنابل «محرمة» ضد أم كلثوم، حتى بين فاتن حمامة وماجدة الصباحي، حيث تهكَّمت ماجدة على فاتن قائلة: «هناك نجوم تصنعهم الأفلام ونجوم تصنعهم الأقلام»، وأتذكر أيضاً في السبعينيات صراع فاتن وسعاد، شهدت العلاقة توتراً، كل منهما اتهمت الأخرى بأنها تحاول سرقة أدوارها، واضطر عبد الحليم إلى إصدار بيان إذاعي يدعو فيه فاتن وسعاد إلى التوقف عن توجيه تلك الضربات، رغم أن عبد الحليم كان وقتها طرفاً في معركة أشد ضراوة مع فريد الأطرش، جاء الفصل قبل الأخير، داخل التلفزيون اللبناني في برنامج على الهواء جمع بين فريد والعندليب، واتفقا في النهاية على أن عبد الحليم سوف يغني لحناً يقدمه فريد الأطرش، بينما، واقعياً، كان عبد الحليم يتهرب في اللحظات الأخيرة عن تقديم العديد من ألحان فريد الأطرش، يتحمس حليم في البداية وتتناقل الجرائد الخبر، ثم يكتشف فريد أن عبد الحليم وكأنه «فص ملح وذاب» بعد أن بات العثور عليه مستحيلاً، وتكررت تلك الحكاية أكثر من مرة، تقرأ خبراً أو تستمع إلى حوار يعلن فيه فريد أنه وعبد الحليم يجريان بروفات أغنية جديدة من ألحانه، ثم يموت المشروع وبعد عدة أشهر يتكرر نفس الخبر.
بعد رحيل فريد قال عبد الحليم إن أكبر ندم شعر به أنه لم يُغَنِ لفريد، ووعد الجمهور أنه سوف يصلح الخطأ، ويغني قريباً حباً في فريد الأطرش في أول حفل له رائعته «الربيع»، وعاش عبد الحليم نحو ثلاث سنوات بعد رحيل فريد ولم ينفذ الوعد.
بيان أشرف زكي حسن النية، غير أنه سيضعه مع الزمن في حرج، الكل سيطالب بالمعاملة بالمثل، كلما أدلى فنان بتصريح سيرد عليه فنان آخر بتصريح مضاد، ويطالب النقابة بالتدخل، عندما يعلن فنان أنه الأول لا يوجد تجاوز قانوني في هذا التصريح يحيله للتحقيق أمام القضاء أو داخل النقابة.
تغزل فنان في إمكاناته وقدرته على الجذب الجماهيري حتى لو كانت مجرد أكاذيب يطلقها على نفسه، بحاجة إلى تدخل طبيب نفسي وليس إصدار بيان من النقابة، الإنسان الذي يرى أنه فقط الأهم والأعلى والأرقى والأكثر جاذبية، لن يعيده إلى توازنه بيان ولا حتى مليون بيان، عليه أن يعالج نفسياً، فهل تملك النقابة «كونسلتو» من أطباء علم النفس.

