: آخر تحديث

تقدم حقيقي

4
5
4

التفاوض في الشرق الأوسط بات خط الدفاع الأخير أمام منطقة تتحرك فوق واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في العالم، حيث أصبحت القرارات العسكرية وأمن الطاقة واستقرار الاقتصاد العالمي وحركة الملاحة الدولية تتحرك جميعها تحت تأثير مباشر لما يجري في المنطقة، فيما تتحول الاتصالات الجماعية بين قادة الدول إلى أدوات احتواء عاجلة تمنع المنطقة من الانزلاق نحو مواجهة أوسع، وتفتح في الوقت نفسه أبوابًا جديدة لمسارات التهدئة، وسط إدراك دولي متزايد بأن أي اضطراب جديد في الخليج قادر على إعادة تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي العالمي بأكمله.

الاتصال الجماعي الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وعددًا من قادة الدول العربية والإسلامية، كشف حجم التحول الذي تعيشه المنطقة، فالمشهد لم يعد قائمًا على لغة المواجهة وحدها، وإنما على بناء شبكة تفاوض واسعة تقودها شخصيات ودول تمتلك التأثير.

التغطيات السياسية الغربية تعاملت مع هذا الاتصال باعتباره تحركًا دبلوماسيًا واسعًا، يهدف إلى منع عودة الحرب إلى التصعيد الكامل، مع تركيز واضح على صعود الدور الخليجي داخل مسارات التفاوض، وتنامي الحضور الباكستاني في تقريب وجهات النظر، إلى جانب التحول المتسارع الذي جعل حماية مضيق هرمز والطاقة العالمية أولوية دولية عاجلة في هذه المرحلة الحساسة، فيما جرى توصيف التحركات الحالية بأنها جزء من «هندسة إقليمية جديدة» تقوم على التهدئة الجماعية بدل المواجهة المباشرة.

«الدبلوماسية هي فن تقييد القوة»، بهذه العبارة لخص هنري كيسنجر واحدة من أكثر الحقائق السياسية حضورًا في الأزمات الكبرى، وهي الحقيقة التي تعود اليوم بقوة داخل المشهد الشرق أوسطي، حيث أعاد الحراك السياسي الحالي الاعتبار لفكرة «الدبلوماسية الوقائية»، وهي المساحة التي تتحرك قبل الانفجار الكامل، وتحاول احتواء التوتر عبر التفاوض والضغوط السياسية والضمانات الدولية.

كما برزت قناعة دولية متزايدة بأن استقرار الخليج قضية ترتبط مباشرة بالطاقة العالمية وأسواق الاستثمار والملاحة الدولية، مع تنامي الرغبة الإقليمية في منع انفجار عسكري واسع قد يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بالكامل، بالتوازي مع التحركات التي تقودها المملكة وقطر وباكستان من أجل تثبيت وقف التصعيد وتهيئة الأرضية لاتفاق طويل الأمد.

مضيق هرمز اليوم تحول إلى مساحة تفاوض عالمية، حيث تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة يحاول فيها العالم نقل الصراع من حافة المواجهة إلى طاولة التفاهم، عبر مسارات تفاوض أميركية أكثر مرونة تقوم على التهدئة المرحلية، وإعادة فتح الممرات البحرية، وضمان أمن الملاحة الدولية، بالتوازي مع بناء تفاهمات أوسع تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني واستقرار الشرق الأوسط، فيما تتحرك القوى الكبرى اليوم تحت قناعة متزايدة بأن أمن الخليج لم يعد ملفًا إقليميًا فقط، وإنما جزء من استقرار العالم بأكمله.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد