صيغة الشمري
يشكِّل الإعلام في موسم الحج شريكًا فعليًا في صناعة الصورة الذهنية العالمية عن المملكة، وعن قدرتها الاستثنائية على إدارة أكبر تجمع بشري سنوي في العالم بكفاءة وإنسانية وتقنية عالية، ولأن الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو تغطية حركة الحشود فقط. ومن هذا المنطلق، يأتي «ملتقى إعلام الحج» بوصفه أكثر من فعالية موسمية وإعلان واضح عن دخول الإعلام السعودي مرحلة جديدة من الاحتراف والتأثير العالمي.
وأعتقد أن النسخة الحالية من الملتقى تكشف حجم التحول الذي تقوده السعودية في مفهوم الإعلام المرتبط بالحج، فلم تعد الرسالة الإعلامية تقتصر على البيانات والصور التقليدية، إنما أصبحت تجربة متكاملة تعتمد على التقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، وسرعة الوصول إلى المعلومة، وصناعة محتوى قادر على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة، فهذا التحول ليس ترفًا إعلاميًا، بل ضرورة تفرضها مكانة الحج بوصفه حدثًا عالميًا يتابعه الملايين لحظة بلحظة.
ما لفت انتباهي في الملتقى هو إدراك القائمين عليه أن الإعلام الحديث لا يُدار بردة الفعل، بل بالتخطيط الاستباقي وصناعة الرواية المهنية الدقيقة، لذلك جاء حضور أكثر من 30 جهة حكومية والخاصة داخل مساحة عمل موحدة ليؤكد أن المملكة تتعامل مع الإعلام باعتباره جزءًا من منظومة خدمة الحاج، لا عنصرًا منفصلًا عنها، فالصورة الاحترافية، والمعلومة الدقيقة، وسرعة التغطية، كلها أصبحت عناصر مكملة للجهود الميدانية والتنظيمية في المشاعر المقدسة.
ومن واقع التجربة الأولى، يتضح أن الملتقى يعكس وعيًا متقدمًا بأهمية القوة الناعمة في العصر الرقمي، فحين يشاهد العالم قصص الحجاج، وحجم الخدمات المقدمة لهم، ومستوى التنظيم والتقنية المستخدمة، فإن ذلك يرسخ الخبرة المتراكمة والرؤية الحديثة للسعودية في إدارة الحشود والخدمات الإنسانية. وهنا تتجاوز الرسالة الإعلامية بعدها المحلي لتصبح أداة تأثير دولية تعكس مكانة السعودية وثقلها الإسلامي.
الأهم أن «ملتقى إعلام الحج» لا يقدم الإعلام بوصفه مهنة فقط، بل بوصفه مسؤولية حضارية وإنسانية. فالحج ليس حدثًا عابرًا، فهو قصة إيمانية وإنسانية كبرى، تحتاج إلى إعلام قادر على نقل روح المكان وقدسية المشهد بقدر ما ينقل الأرقام والوقائع.
وأرى إن نجاح الملتقى في الجمع بين التقنية والرسالة الإنسانية يمثِّل خطوة مهمة نحو صناعة نموذج إعلامي سعودي حديث يليق بعظمة الحج ومكانة المملكة في خدمة الإسلام والمسلمين.

