قبل أن تُحرم وتُلبّي، وقبل أن تخطو أولى خطواتك نحو البيت الحرام، هناك خطوة واحدة تسبق كل شيء، هي التصريح، الذي يفرق بين حج صحيح ومكتمل، وبين رحلة تبدأ بالأمل وقد تنتهي بالأسف، فالحج عبادة عظيمة تستحق أن تؤدى على الوجهة الصحيح، وهذا لا يتحقق إلا بالتصريح الرسمي، الذي يجعل كل خطوة في المشاعر المقدسة خطوة آمنة وصحيحة.
والتصريح بوابتك لحج آمن ومنظم، فمئات الآلاف من أصقاع الأرض يتجهون في وقت واحد نحو بقعة واحدة، ومن دون منظومة تصاريح رسمية ترتب هذا الوجود الهائل وتنظمه، يتحول الحلم إلى فوضى، والتصريح هو الخيط الذي يربطك بمنظومة خدمات متكاملة أُعدت لك مسبقاً، ومكانك في منى، ومسارك في الطواف، وموعدك في الرمي، وكل التفاصيل التي تجعل تجربتك الروحية هادئة لا مضطربة، عميقة لا مشتتة.
والحج بتصريح يُجنبك المخاطر، وكثيرون خاضوا تجربة الحج في السنوات السابقة دون تصريح ظناً ان الأمر مجرد إجراء شكلي يمكن تجاوزه، فاكتشفوا في قلب المشاعر أنهم محاصرون بين الزحام دون حماية ودون خدمات ودون خيارات، والنية الصادقة فريضة القلب، والتصريح فريضة الطريق، وإهمال أحدهما يخل بالتجربة كاملة ويُحولها معاناة بدلاً من أن تكون ذكرى تسكن الروح إلى الأبد.
والتصريح ضمان لسلامتك وراحتك، ومن يحمل تصريحاً رسمياً يجد أمامه رعاية صحية ميسرة، ونقلاً منظماً، وإرشاداً مستمراً في كل منسك، والمملكة العربية السعودية تسخر طاقات استثنائية لتقديم هذه الخدمات لضيوف الرحمن، وما الحملة الوطنية الإعلامية لتوعية ضيوف الرحمن هذا الموسم بشعارها "الحج عبادة وسلوك حضاري" إلا تجسيدً حيٌّ لهذا الحرص وتأكيدٌ أن التصريح بوابةٌ لا تفتح لمن أخذ بالأسباب الصحيحة.
وتصريح الحج مسؤوليةٌ دينية ووطنية في آنٍ واحد. الحاج الملتزم بالتصريح يُسهم في نجاح هذا التجمع الإنساني الفريد، ويريح نفسه ويُريح مَن حوله، ويُؤكد أن الانضباط قيمة دينية قبل أن تكون قيمة إدارية.
وأقول بقناعة راسخة، إن التصريح ليس عائقاً بين الحاج والفريضة، بل هو الجسر الذي يُوصله إلى إكمال صورة لهذه العبادة العظيمة وأهنأها وأسلمها، فمن أراد حجاً صحيحًا وتجربةً آمنة، فليبدأ من التصريح.

